فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 244

يهدي إلى الحق بعمله، وإن لم ينطق بكلمة، لأنه مثل حيّ متحرك للمبادئ التي يعتنقها.

إن التدين الحقيقي صورة لجوهر النفس بعد ما استكانت لله، ونزلت على أمره، واصطبغت بالفضائل التي شرعها، وترفعت عن الرذائل التى حرمها، واستقامت على ذلك استقامة تامة، هذا التدين وحده هو الذي تلتمس منه الأسوة، ويقتبس منه الهدى، إن المسلمين استحقوا أن يتأسى الناس بهم، وأن ينسجوا على منوالهم، وأن يقلدوهم في أقوالهم وأفعالهم، وأن يهجروا لغائتهم الأصلية إلى اللغة العربية الوافدة، لأن المسلمين كانوا يمثلون في العالم نهضة مجددة راشدة مسعدة.

إن من الغباء البالغ أن تنتظر أحدا يؤمن بك عقب انتصار في معركة جدل أو انتصار في ميدان حرب، إن المقهور في أحد الميادين قد يستسلم راضيا أو ساخطا، بيد أنه لن يتبعك عن إخلاص، ولن يشاركك الشعور والفكر أبدا ... ومن ثمّ نرى لزاما علينا التوكيد بأن القدوة وحدها وما يبعث على الاقتداء من إعزاز وإعجاب هي السبيل الممهدة لنشر الدعوة على أوسع نطاق، وحين نتابع أوصاف المسلمين الفاتحين نجد أن الجماهير رمقت حملة العقيدة الطاهرة بشيء من الدهشة، ورأت فيهم نماذج خلابة للفضل والعدل، فلم يمكثوا غير قليل حتى زاحموهم عليها (1) والسلف الصالح - رضوان الله عليهم - وحدهم مصدر الأسوة ويعجبني ما روى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - إذ يقول:"من كان مستنًّا فليستنّ بمن قد مات، فإن الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا أفضل هذه الأمة، أبرّها قلوبا، وأعمّها علما، وأقلّها تكلّفا، اختارهم الله لصحبة نبيّه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرتهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم"، وفي الحديث: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِيْ فَسَيَرَى اِخْتِلَافًا كَثِيْرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِيْ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ الْمَهْدِيِّيْنَ، تَمَسَّكُوْا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (2) .

والاقتداء المطلوب بداهة ليس في ركوب الخيل، والحرب بالسيف، والرمح، إنما الاقتداء في التجرد والخشية وإيثار الآخرة (3) .

ويروى أنه وفد على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وفد تميم، وفيهم سيدهم الأحنف بن قيس الذي كان إذا غضب غضب له مائة ألف سيف، لا يسألونه فِيْمَ غضب، فوجدوا عمر يهنأ إبل الصدقة (أي: يطلبها بالقطران) ، فقال للأحنف بن قيس: يا أحنف، اخلع ثيابك، وتعال

(1) من كتاب مع الله، ص 299، 300 للشيخ الغزالي بتصرف.

(2) كتاب هموم داعية، ص 232 للشيخ محمد الغزالي.

(3) كتاب هموم داعية، ص 232 للشيخ محمد الغزالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت