إلى عمر في تؤدة وسكون، ثم تبسم، ثم قال: لَأَنَا وهو أحوج إلى غير هذا منك أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن الاقتضاء ... اذهب به يا عمر فاقض حقه، وَزِدْه عشرين صاعا من تمر مكان ما روّعته، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا ... فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة ... قال: الحبر؟ قلت: الحبر ... قال: فما دعاك إلى أن تفعل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فعلت؟ وتقول له ما قلت؟ قلت: يا عمر ... إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نظرت إليه إلا اثنتان لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ... فقد اختبرته منه ... فأشهدك يا عمر أنني قد رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا، وأشهدك أن شطر مالي - فإني أكثرها مالا - صدقة على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ... فقال عمر: أو على بعضهم ... فإنك لا تسعهم كلهم؟ قلت: أو على بعضهم ... قال: فرجع عمر، وزيد بن سعنة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فآمن به وصدّقه، وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة (1) .
إن المولى - سبحانه وتعالى - حين قدم رسوله - صلى الله عليه وسلم -"الداعية الأول"للناس قال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .
فقدّمه للناس بما يستوجب حبّه فيما وصفه به:
1 -بالإشفاق.
2 -الحرص.
3 -الرحمة.
ثلاث خصائص تميّزت بها علاقة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بمن يتولى أمرها:
1 -النجاة من المهالك.
2 -الشعور بالأمن في حماهم.
3 -الحب لهم في الغيبة والحضور.
ولذلك كان مما وصف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان في المعارك أسبق الجند إلى العدوّ، وكانوا يتقون به عند اشتداد الهول، ومع ذلك كان أعذرهم للناس، ففي واقعة الأحزاب عندما كلف أحد أصحابه بالنهوض لاكتشاف أحوال الأعداء، قال: مَن يقوم وأضمن له العودة. فلم يقم أحد من شدة الهول ومن شدة البرد، وكان بينهم أبو بكر وعمر، وكرر
(1) رواه أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - ص 83 - 85.