أمر أن يعمل فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك .. قال: فاجمعهم لي.
قال: فجمعتهم له (قال ابن عون: في بهو) ، فأخذ أدناهم رجلا، فقال: أنشدك الله، وبحق الإسلام عليك: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم.
قال: فهل أحصيته في نفسك؟ يعني: هل استقصيت العمل به في تصحيح نيتك، وتطهير قلبك، ومحاسبة نفسك؟ فقال: لا، (ولو قال نعم، لخصمه) أي لأفحمه وألزمه الحجة.
قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك (أي: كلامك) فهل أحصيته في أثرك (أي: خطواتك ومشيك) .
ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم: (يعني: وهو يسألهم: هل استقصيتم العمل بكتاب الله كله في أنفسكم وجوارحكم وأقوالكم وأفعالكم، وحركاتكم وسكناتكم، وهو بالطبع يجيبون:(اللهم لا) ، فقال: ثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ (أي: بالصورة التي تفهمونها أنتم، ولم تقيموها في أنفسكم باعترافكم) .
قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات .. وتلا: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] .
ثم قال: هل علم أهل المدينة - أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا، قال: لو علموا، لوعظت بكم (أي: لجعلتكم عظة ونمالا لغيركم) . وبهذا الفقه العمري الداعي لكتاب الله، حسم أمير المؤمنين هذه القضية في بدايتها، وسدّ بابا للتشدد والتنطع لو كان تساهل فيه لربما هبت منه رياح فتنة لا يعلم إلا الله تعالى عواقبها" (1) . ولك أن تسأل بعد ذلك كيف إذن تتصدى للمنكر؟"
أولا: لا بد أن يكون منكرا، وهو ما كان محظور الوقوع في الشرع. ولفظ"منكر"أعم من لفظ"المعصية"، فلا يختص المنكر بالكبائر، فالخلوة بالأجنبية، والنظر إلى المحرمات، كل ذلك من الصغائر، ويجب النهي عنها.
ثانيا: أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسس، فكل من ستر معصية في داره، وأغلق بابه، لا يجوز الدخول عليه بغير إذن لتعرف المعصية، ولا يتجسس عليه، وقد نهى الله تعالى عن التجسس، فقال: {وَلَا تَجَسَّسُوا} ، وكذلك لو رؤي فاسق وتحت ذيله شيء، لم يجز أن يكشف عنه.
ثالثا: أن يكون منكرا معلوما بغير اجتهاد، فكل ما هو محل اجتهاد فلا نكران فيه،
(1) القصة من رسالة: صحوة الشباب، للقرضاوي، ص 41، وذكرها ابن كثير في تفسير الآية: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} من سورة النساء.