فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 244

إذ أن صفة الأمانة صفة أساسية من صفات الداعي إلى الله، وأنت إذا تأملتها وجدتها صفة يشترك فيها جميع الأنبياء والرسل؛ لأنها لازمة للصدق فلا يتصور إنسان صادق غير أمين أو أمين غير صادق، والصدق حلية الأنبياء، وحلية الصالحين، حتى كأنك ترى في القرآن على لسان أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - يسأل ربه الصدق في الدنيا والآخرة، ويَعِد أن سأله أن يلحقه بالصالحين، قال: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84] . أما الأمانة، فأنت تراها صفة كل نبي ورسول يؤكدها الأنبياء جميعا في سورة الشعراء.

{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 105 - 107] .

{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 123 - 125] .

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 141 - 143] .

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 160 - 162] .

ونطق بها عفريت من جنّ سليمان: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] .

وقالها يوسف: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] . والحفيظ هو الأمين. وها هي ذا بنت شعيب حين تَمَنَّت أن يكون موسى - عليه السلام - زوجا لها قالت: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26] .

أما الصدق فهو من الصفات الأساسية التي تبيّن معدن الرجال، لذلك رأينا فرعون نفسه حين يريد من موسى الدليل على وحدانية الله يقول له موسى: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء: 30] . فيقول فرعون: {فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء: 31] . وإن كان صدق موسى لا ينفع الجاحدين، فالصدق من الدرجات العلى.

قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِيْ إِلَى الْبِرِّ، وَالْبِرُّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيْقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُوْرِ، وَإِنَّ الْفُجُوْرَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» (1) .

(1) أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود في الأدب وأحمد، من حديث عبد الله بن مسعود بألفاظ متقاربة. وروى أحمد نحوه من حديث أبي بكر الصديق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت