فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 244

القتال، فما استغربوا هذا الأمر، وما جادلوا فيه، ولا توانوا لحظة، بل إن القرآن يبين لنا مشاعرهم في هذا الموقف العصيب وهم المهزوزون بالأمس، فيقول: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 171 - 173] .

وسل عن حالهم يوم الأحزاب: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 - 11] في هذا الموقف العصيب انقسم الناس إلى قسمين: فرقا هدى، وفريقا حق عليهم الضلالة، وانعكس تصرف كل فريق وسلوكه تبعا لتصوره واعتقاده، فأما الذين في قلوبهم مرض، فإنهم قالوا: {مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} .. وأما الذين عرفوا ربهم حق المعرفة، وقدروه حق قدره، قالوا: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ} وما زادهم إلا إيمانا وتسليما، فمتى قالوا ذلك؟ ما قالوه إلا بعد تعرفهم على ربهم، وإيمانهم به، واستسلامهم لأمره.

واسمع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول لجنده موصيا إياهم، وقد أرسلهم للقتال: تألفوا الناس، وتأنّوا بهم، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل مدر، أو وبر أن تأتوني بهم مسلمين أحب إليّ من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم (1) .

أرأيت ما هو محبب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟

إنها دعوة الناس إلى الإسلام، وتعريفهم به، وليس سبي النساء والأبناء وقتل الرجال!

فالدعوة تحتاج أول ما تحتاج إلى صبر عليها، فلا يستطيل الداعي مرحلة التعريف بمراحلها، ويعطي كل مرحلة حقها، ويبين لهم ما نزل إليهم قبل أن يكلفهم، فما أشق التكليف على النفس الإنسانية إذا لم يتحلّ صاحبها بالإيمان! {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} .

ولذلك، فإنك ترى لقمان يعظ ابنه يقول له:"يا بنيّ، إن الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، فإن فتر سائقها ضلّت عن الطريق، وإن فتر قائدها حرنت، فإذا اجتمعا، استقامت".

وأنت ترى رب العزة قبل أن يكلف العباد بصلاة، أو زكاة، أو حج، أو صوم، أو ينهاهم عن ربا، أو زنا، أو خمر، أو غير ذلك، فإنه يناديهم أولا بهذا النداء المحبب إلى قلوبهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} افعلوا كذا، أو انتهوا عن كذا .. أي يا من عرفتم ربكم وآمنتم به، أطيعوا أمره، فهو الذي يأمر وينهى. أو يقول: {قُلْ يَاعِبَادِي .. } أو {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} يسندهم إلى نفسه، تشريفا لهم. والغريب في الأمر، أن بعض الإخوة يستعجلون الناس ويكلفونهم ما لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت