بيني وبينك من قرابة، ما رمت هذا مني ... أتغشانا في دارنا بما نكره؟ وقال أسعد بن زرارة لمصعب، حينما رآى سعدا مقبلا: أي مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك، لا يتخلف منهم اثنان؟ قال مصعب مخاطبا سعدا: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا، ورغبت فيه، قبلته، وإن كرهته عزلت عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، فعرف في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم .. ثم فعل ما فعله زميله أسيد، وتم إسلامه. فلما رجع إلى قومه، وقف عليهم فقال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأوصلنا، وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقية، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فما أمسى في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة، وكانت دارهم أول دار من الأنصار أسلم رجالها ونساؤها، ثم كانت دار سعد بن معاذ بعد إسلامه مركز الدعوة الإسلامية في المدينة (1) .
فهل فقه الشباب الدروس المستفادة من هذه القصة؟ وهل وقفوا على إشارة أسعد بن زرارة لمصعب بأن"هذا سيد قومه"لينزله منزلته، ويعطيه قدره واحترامه وهو المشرك في ذلك الوقت؟ وهل تأملت ما قاله مصعب لكل منهما:"أو تجلس فتسمع"، كأنه يستسمحه في القعود، ويستثير عاطفته، ويرغبه في مجالسته، وهو الذي قال لمصعب: ما جاء بكما إليها تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا ... فماذا كانت الإجابة من تلميذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره .. أي أدي جمّ هذا الذي تعلموه في مدرسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وما الذي يكرهه حتى يكفّه عنه .. شرح الإسلام، وسماع القرآن، فإن كان هذا مما يكرهه، فلن يُسمعه، ولن يُكرهه، ولن يجبره، وصدق الله حين قال: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] ، {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] ، {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرْ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21 - 22] ، {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48] ."
بالله عليك، لو كان هذا الموقف مع بعض دعاة اليوم من الشباب، ماذا هم صانعون؟ سيقولون له: يا كافر، اسمع أو لا تسمع، فلا بد من تبليغ كلمات الله، أو يقولون: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ... } [البقرة: 6 - 7] ، أو يقولون: صدقت ربنا حين قلت: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] ، فليت الشباب يعي أننا دعاة، ولسنا قضاة.
جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، والنصيحة طعمها
(1) سيرة ابن هشام (1/ 435) .