وهذا الذي أقول من قبل حين نبدأ بالعقيدة أولا وقبل كل شيء قبل التكاليف لا نقصد به أن المسلمين قد ارتدوا عن دينهم أو إنهم ينكرون وجود إلههم، فهذه قصة أخرى حسمها الفقه الإسلامي بأحكامه الدقيقة التي تكلم عنها العلماء بشيء من التفصيل، إنما نقصد بإبراز الجانب العقيدي أن نصحح العقائد، ونحرك العواطف، ونستشير الوجدان، ونذكر الناس، فنوقظ الغافل، ونذكره - فلا عجب - فلقد نسي أبو البشر آدم واحتاج إلى التذكرة، فما أحوجنا نحن إليها اليوم.
لذلك، فإننا نذكر المسلمين بالغاية التي لأجلها خلقوا ونقول لهم: لقد خلقنا الله رضينا أم لم نرض، راجعون إليه لا محالة، أطعنا أم عصينا، وخير للإنسان أن يمضي إلى ما لا بد منه في كرامته، من أن يُكره عليه في هوان وذلة، فما خلقنا عبثا وما تركنا سدى، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، فلينظر المرء ما قدمت يداه.
فإذا عرف المدعو غايته، فقد عرف واجبه، وهذا هو المحور الذي دارت حوله الرسالات: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سبأ: 46] .
ولذلك، فإن الإسلام وحد المسلمين أولا على:
أ- المشاعر الواحدة: فتوجهوا إلى إله واحد، فامتلأ القلب بالإيمان، فتآلفت القلوب باتجاهها إلى رب واحد؛ لأن الإيمان يوحد المشاعر: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63] ، فلا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد.
ب- الشعائر الواحدة: ثم تأتي بعد ذلك الشعائر لتعمق هذا الإيمان وتزداد الألفة بينهم بصلاة الجماعة، وزكاة المال، وصيام رمضان، وحج البيت، كل هذه الشعائر تبرز الأخلاق الإسلامية وتعمق رابطة الأخوة، فلا إيمان بدون أخوة، ولا أخوة بدون إيمان، فهما كوجهي العملة لا غنى لأحدهما عن الآخر {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ، ولذلك يقول ابن عمر - رضي الله عنها: «لَوْ صُمْتَ النَّهَارَ لَا أُفْطِرُهُ، وَقُمْتَ اللَّيْلَ لَا أَنَامُهُ، وَأَنْفَقْتُ مَالِيْ غَلْقًا غَلْقًا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ أَمُوْتُ يَوْمَ أَمُوْتُ وَلَيْسَ فِيْ قَلْبِيْ حُبٌّ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَبُغْضٌ لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ مَا نَفَعَنِيْ ذَلِكَ شَيْئًا» ، ثم تأتي بعد ذلك الشرائع الواحدة.
جـ- الشرائع الواحدة: فما أسهل أن تقام بعد ذلك في مجتمع تألفت مشاعره، وتوحدت شعائره، فإذا بهم يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون، فيصبحون بذلك خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله ينادي ربهم: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] واحدة في مشاعرها، واحدة في شعائرها، واحدة