من ذلك كله نستخلص قاعدة هامة، وهي وجوب الوقوف عند حد الشارع من عزيمة ورخصة، واعتقاد أن الأخذ بالأرفق للشرع أولى من الأشق المخالف له، فهل يعي المتشددون هذا الفهم الدقيق؟
إن المجتمع الأول كانت الصفة المميزة له هذا التيسير على الناس، حتى أصبح سلوكهم، لا أقول: في العبادات فحسب، بل وفي المعاملات، التيسيرَ على الناس.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا، قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ» (1) .
إن الخلط عند الشباب بين أن تأخذ أنت - أيها الداعي - بالعزيمة، وتربي نفسك على مكارم الأخلاق، وتضع نصب عينيك بيعة بينك وبين الله، لا تتحقق إلا بصفات ثمان: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] ، فتحاول الوصول إليها، فتجتهد، وتجاهد نفسك، وتحاسبها على الهفوة، وبين أن تدعو الناس لدين الله، فتتركهم يترخصون، وترفق بهم، ولا تحملهم ما لا طاقة لهم به، ولا تنس قول الله: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94] ، فيسروا يا دعاة، ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا.
(1) البخاري (4/ 309) .