فَقَالَ: «مَا هَذَا الحَبْلُ؟» قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» (1) .
إنها الفطرة التي نطق بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبين لنا طبيعة النفس الإنسانية، ويقول الحديث الصحيح: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ (2) ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ (3) ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِيْ فَقَدِ اهْتَدَى» ، وفي رواية آخر صحيح: «فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِيْ فَقَدِ اهْتَدَى» (4) .
ويترجم ذلك توجيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه ابن عباس، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قَالَ لِيْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُوْمُ اللَّيْلَ وَتَصُوْمُ النَّهَارَ؟» ، قُلْتُ: إِنِّيْ أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ (5) ، وَنَقُهَتْ نَفْسُكَ (6) ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ، وَنَمْ» (7) .
وكذلك فإن الوفد الذي جاء يسأل عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبرتهم السيدة عائشة بكيفية عبادته، فكأنهم تقالّوها، وإذا بأحدهم يقول: أما أنا فأقوم الليل كله، وقال الثاني: أما أنا فأصوم الدهر كله، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوّج النساء، فإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يردّهم ليسر الشريعة، ويسر العبادة فيقول - أو كما قال - صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا أَنَا فَأَقُوْمُ وَأَنَامُ، وَأَصُوْمُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَهَذِهِ سُنَّتِيْ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ» .
إن السيدة عائشة - رضوان الله عليها وأرضاها - تقول لنا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال ما يطيقون، قالوا: إنّا لسنا كهيئتك (8) يا رسول الله، إن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب، حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ أَنَا» (9) .
(1) البخاري (3/ 26) .
(2) الشّرة هي بلوغ أقصى الجد والاجتهاد والحرص على الإتقان.
(3) الفترة هي الفتور، أي: التراخي من بعد الجد والجنوح للكسل وإيثار الدعة والراحة.
(4) كتاب العوائق للشيخ لمحمد أحمد الراشد، ص 9. قال الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه لمسند الإمام أحمد، في الحديث رقم [6764] : إسناده صحيح، وهو مختصر (6477) ، ومطول (6539، 6540) ، بنحوه. وانظر (6760 - 6762) . والقسم الأخير منه:"إن لكل عمل شرة"إلخ، رواه ابن حبان في صحيحه (رقم 10 بتحقيقنا) ، من طريق هاشم بن القاسم عن شُعبة، بهذا الإسناد، وفيه:"فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت شرته إلى غير ذلك فقد هلك". وهكذا وقعت الرواية لابن حبان"فمن كانت شرته"في الموضعين، ووقعت الرواية هنا في هذا الموضع من المسند، في الأصول الثلاثة"فمن كانت شرته"، في الموضع الأول، و"من كانت فترته"في الموضع الثاني. وابن حبان جعل العنوان في كتابه للحديث هكذا:"ذكر إثبات الفلاح لمن كانت شرته إلى سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -". وقد كتبت في التعليق على ذلك الحديث في ابن حبان ما نصه: وكل الروايات التي رأيناها لهذا الحديث، بل لهذا المعنى، فيها:"فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك"، أو ما يؤدي هذا المعنى: أن حدة الأمر تناقص إلى هدوء وفترة، فيجتهد المجتهد في العبادة، وقد يغلو في الشدة والتمسك، ثم تهدأ حدته إلى قصد في الأمر. فأبان - صلى الله عليه وسلم - أن الفترة التي تعقب الغلو ينبغي أن تكون إلى السنة والأخذ بها وعدم التهاون بتركها حتى يلزم طريق الهدى. أما إذا كانت الفترة إلى تقصير وإهمال، فإنها الهلاك. ولم نجد رواية كرواية ابن حبان هنا من جعل"الشرة"في هذا المعنى بدل"الفترة". حتى لقد ظننت بادئ ذي بدء، أن هذا سهو من الناسخ في لفظ الحديث، لولا أن رأيت العنوان الذي ذكره ابن حبان لهذا الحديث، كما تراه، فيه لفظة"شرته"واضحة الخط والنقط، مضبوطة بكسرة تحت الشين. فالراجح عندي حينئذ أن الرواية وقعت لابن حبان هكذا، فذكرها كما رواها. هذا ما قلنا هناك، وما هي ذي الرواية هنا"فمن كانت شرته"، في الموضع الأول، و"من كانت فترته"، في الموضع الثاني. وأكاد أجزم الآن، بأن هذا الذي في ابن حبان، من أغلاط الرواة أو الناسخين.
فإن المعنى الصحيح ما ثبت في سائر الروايات.
(5) حارت أو ضعفت لكثرة السهر.
(6) كلّتْ.
(7) البخاري (3/ 38) .
(8) أي: لسنا مثلك يا رسول الله، فكأنهم طلبوا منه - صلى الله عليه وسلم - ما يشق عليهم.
(9) البخاري (1/ 70) ، كتاب الإيمان.