فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 244

الإسلام - كما أوحنا - دين ودولة لا يشك في ذلك مسلم. وهو إن كان كذلك، فهو أيضا دعوة وداعية، دعوة هي الإسلام الحنيف بشموله وعمومه، بشعائره وشرائعه، بعقيدته وعلاقاته الكريمة، وأسلوب دعوته الحكيمة، ووسائل إقناعه الفريدة، وطريقة تبليغه القويمة. لذلك، فإننا نرى قرآن ربنا كما قدّم الدعوة للناس: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 - 16] ، قدّم كذلك الداعية الأول الذي حمل هذه الرسالة للعالمين. {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .

إذ أننا لا نستطيع أن نفصل بين الدعوة والداعية، لأن المسلم الذي يفهم دعوته فهْمًا سليما، لكنه يسيء تقديمها للناس، لا يقلّ خطرا على المسلم الذي لا يفهم إسلامه الفهم الصحيح، ولكنه ألحن بالحجة، يجيد الحوار، ويحسن العرض. فالأول يسيء التقديم مع الفهم، والآخر يسيء العرض مع الجهل. ومن هنا، كان الإسلام دعوة صحيحة مع داعٍ خلوق. فالدعوة والداعية كوجْهَي العملة، لا غنى عن أحدهما، ولا يمكن الفصل بينهما.

ويقول الدكتور السباعي - رحمة الله عليه:"مصيبة هذا الدين في جميع عصوره بفئتين: فئة أساءت فهمه، وفئة أتقنت استغلاله، تلك ضلّلت المؤمنين به، وهذه أعطت الجاحدين حجّة عليه".

لذلك، فالداعي إلى الله يعلم أن الدعوة إلى الله - عزّ وجلّ - هي مهمة رسل الله الكرام، فهم سفراؤه إلى خلقه يبلّغونهم أمر ربّهم على بصيرة، يرثهم في هذه المهمة الجليلة العلماء العاملون والدعاة المخلصون، ليحظوا بالدرجات العلى والثواب العظيم والأجر الجزيل، كما بشّرهم بذلك رسولهم الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - حين قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (1) .

فهل هناك أفضل من هذا العمل؟ وأجلّ من هذه الوظيفة؟ فأي شرف يحظى به الدعاة إلى الله وهم يجنون ثمرة جهودهم؟ ألا وهي"هداية الخلق إلى الحق؟ {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 33 - 34] ."

ذلك لأن الدعوة إلى الله هي الدعوة لدينه، واتباع هداه، وتحكيم منهجه في الأرض،

(1) أخرجه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت