فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 244

إن من نصب نفسه لوظيفة الهدى ودعوة الناس إلى الخير يجب أن يكون أبعدهم عن التصنع وأحرصهم على الكمال، فإن أدنى هفوة منه تسقط اعتباره، وتسهل التهاون به، فلا يكون لكلامه تأثير في القلوب، ويصير مجلسه مسلاة يتلهى الناس بحضوره.

سئل الإمام أحمد عن الرجل يكثر من كتابة الحديث وطلبه، أيسوغ له ذلك؟ فقال: ينبغي أن يكثر العمل به على قدر زيادته في الطلب (1) .

إن القدوة الحسنة دعوة عملية، وليست دعوة كلامية، فهي دعوة بالحال قبل أن تكون بالمقال.

فالتخلق بأخلاق الإسلام قولا وعملا، التزاما واجتنابا يجذب غير المسلمين إلى الإسلام، لأن المسلم صاحب رسالة، فإذا أساء حملها، ولم يحسن أوامرها، نقل ذلك من حيث يشعر أو لا يشعر إلى أولئك الذين لا يعلمون شيئا عن مبادئ الإسلام، لأنه مهما سمت المبادئ والتوجيهات، ولم تجد من يأخذ بها لم يكن لها أثر، ولم تغن أصحابها شيئا، وكأنها غير موجودة، أو ذات نفع للناس (2) .

وفي الحديث:"يُؤْتَى بِالْعَالِمِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَزْلَقُهُ أَقْتَابُهُ، فَيَدُوْرُ كَمَا يَدُوْرُ الْحِمَارُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا بَلَغَ بِكَ مَا أَنْتَ فِيْهِ، وَقَدْ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوْفِ، وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ، فَيَقُوْلُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْخَيْرِ فَلَا آتِيْهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الشَّرِّ وَآتِيْهِ" (3) .

إنه من السهل أن تلقي محاضرة عن الإسلام، أو تعقد ندوة حول معنى من معانيه، أو تؤلف كتابا في كماله وتمامه، في شموله وعمومه، ولكن، كل ذلك يتحول إلى حبر على ورق ما لم يتحول ما تقوله أو تكتبه إلى واقع ملموس يراه الناس مشهودا، عندئذ، تتحول الأفكار والسطور والكلمات إلى حركة، وإلى حياة يؤمن بها من شرح الله صدره للإسلام.

ذلك أن الكلام والبراعة فيه سهلة يجيدها الصادقون كما يجيدها الكذابون على حد سواء، ويعرف سبيلها المخلصون والمنافقون معا، واقرأ إن شئت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 204 - 205] .

إن الدعاة إلى الله هم أصدق الناس قيلا، وأشرفهم طريقا، ولذلك، يجب أن يكون ظاهر

(1) المنطلق، محمد الراشد، ص 38.

(2) معاني الأخوة في الإسلام ومقاصدها، للدكتور محمد بابلي، ص 125 بتصرف.

(3) رواه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد - رضي الله عنهما: «يُجَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت