فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا، والله ما سمعت بمثله قط، والله، ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله، ليكون لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب، كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك يا أبا الوليد، قال: هذا رأيي، فاصنعوا ما بدا لكم (1) .
وأنت ترى خلقا فاضلا، وأدبا جمًّا، ومستوى عاليا في الحوار، إنه أدب الحوار مع الخصوم، لا أقول من العصاة، إنما أقول من المشركين، فلقد جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع لهذه العروض الهزيلة السخيفة من عتبة بن ربيعة، والتي تصورها أعداء الإسلام دائما إغراء وإغواء وجذبا لأصحاب الدعوات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ومع جهل هذا العدو بتسامي الداعي إلى الله عن الدنيا كلها التي لا تساوي في نظره جناح بعوضة، لأن ما عندهم ينفد، وما عند الله باقٍ.
أقول مع هذا كله، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقاطعه، بالرغم من باطله، وتفاهة عرضه، بل لم يبد اشتمئزازا من كلامع، والأكثر من ذلك، أن يفسح له المجال للمتابعة كي يفرغ كل ما في جعبته، ثم يسأله: أو قد فرغت يا أبا الوليد؟ وتأمل مخاطبته بكنيته:"يا أبا الوليد"، يناديه بكنيته المحببة إليه سماعها، وهو رأس الكفر، ليألف قلبه.
يا ليت الشباب يعي هذه الدروس المستفادة، ليته يحترم خصمه كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويتكلم معه بأدب بالغ، وتقدير جمّ، ويكنيه بكنيته.
إن بعض الشباب بعد أن ينعم الله عليه بنعمة الإسلام يصبح فظا غليظ القلب، لا يوقر كبيرا، ولا يرحم صغيرا، يحدث أستاذه بما لا يليق، ويسخر منه ولا يعطيه حقه من الاحترام، لأنه من العصاة الذين ما أطلقوا لحاهم، وما ارتدوا جلبابا، وما أمسكوا سواكا، هؤلاء ما تعلموا أدب الحديث، ولا عرفوا فقه الدعوة وأخلاق الداعية، وفقهوا ما هو من صلب العقيدة، وما هو خارج عنها، فنفروا الناس منهم، وكسبوا عداوتهم. وما علموا أن من أمر بمعروف، فليكن أمره بالمعروف، كل ذلك بسبب أن الواحد منهم قد قرأ كتابا أو حديثا، وتعلم منه رأيا، فظن أن الحق كله فيه، ومعه، فاعتبره من مسائل العقيدة، أو المسائل التي لا
(1) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 314) .