على الداعي أن يحاول في بداية دعوته أن ينقل المدعو إلى آفاق الإسلام، فهدى إليه نفسه - بتوفيق من الله وحده - ويدعوه في قوة وإيمان إلى الربانية الشاملة التي تهيء للإنسان حياة صالحة سعيدة تعطي للقلب حقه، وللبدن حقه، وللنفس حقها، وبالتالي فهو يحاول أن يغير ما بنفوس المدعوين حتى يغير الله ما بهم من فساد، وكل دعوة لا تبلغ هذا الهدف أولا وقبل كل شيء أو ترى هذه الغاية التي هي بداية كل خير، فجهدها ضائع، وعملها لا طائل منه.
ولذلك، فالداعي وهو يتعامل مع النفوس أولا ليغيرها محتاج أن يدخل على مشاعر المدعوين في حكمة، فيحرك وجدانهم، ويستثير عواطفهم إلى الله، فإذا تأتي له ذلك، ولانت نفوسهم لقوله، سيصنع منهم بعد ذلك ما يشاء صنعه، ويستجيبون له بفضل الله وحده.
ومن هنا، وجب على الداعي أن يبدأ بالأصول، يخاطب بها المدعو بأسلوب سهل سلس يصل به إلى قلبه، فيرويه بعد ظمأ، ويطمئنه بعد تقلب، وإلى النفس فيسكّنها بعد جنوح، ويقومها بعد اعوجاج.
وهذا هو منهاج القرآن مع الإنسان، بدأ بالأصول، واهتم بإبراز التصور الإسلامي لحقيقة الألوهية والذي يقوم ابتداء على تعريف الناس بربهم تعريفا دقيقا شاملا يعرفهم بذاته سبحانه، ويعرفهم بصفاته، ويعرفهم بخصائص الألوهية المتفردة التي تفرقها عن خصائص العبودية، كما يعرفهم بأثر هذه الألوهية في الكون وفي الناس، وفي جميع العوالم والأمم الحية.
ويتم هذا التعريف على نطاق واسع جدا في القرآن بمنهج فريد يصبح معه الوجود الإلهي في النفس البشرية وجودا أكيدا، واضحا مؤثرا يأخذ النفس من أقطارها، وتعيش معه النفس مشدودة إليه لا تملك التفلت منه، ولا نسيانه ولا إغفاله، لأنه من القوة والوضوح، بحيث يواجه النفس دائما، ويتراءى لها دائما، ويؤثر فيها دائما.
هذا التأثير تنوعت أساليبه ليصل إلى العالم والجاهل، والبدوي والحضري، والمثقف والأمي على حد سواء، فتزداد به القلوب إيمانا والنفوس اطمئنانا، والعقول اقتناعا، فيقبل الناس على دين الله إقبالا، ولذلك بدأ كل رسول ونبي أول ما بدأ دعوته بالأصل الثابت: {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ثم جاءت التكاليف بعد ذلك.