جَاثِمِينَ [هود: 94] .
ويشتدّ طغيان الكافرين وعلوّهم في الأرض، فإذا بنا نرى: {فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] ، وكانت إرادة الله مع هؤلاء المستضعفين كما قال: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5 - 6] .
وتحققت إرادة الله بِمَنِّه على المستضعفين: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ. وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 136 - 137] .
أفبعد هذا اليقين في انتصار الحق، وإزهاق الباطل يراود المسلم شك؟ إنه أمل يُنتظر تحقيقه كما ينتظر انشقاق القمر بعد ليل طال، إنه وعدمن الله مشروط بدخول المسلمين في السلم كافة، فإذا أذعنوا لربّهم وفعلوا المأمور، وتركوا المحظور، وصبروا على المقدور، واستجابوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، تحقق وعد الله فيهم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ... } [النور: 55] .
وهذا النصر - كما تحقق في الدنيا - يتحقق أيضا في الآخرة، لتتم النعمة، وتكتمل الفرحة بهذه البشرى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] . فالنصر في الدنيا والآخرة على حدّ سواء، كما أخبرنا المولى عزّ وجلّ، وهنا تظهر شبهة قد تراود بعض المسلمين يجليها لنا إمام المفسرين ابن جرير الطبري. يقول في تفسيره:"يقول قائل: ما معنى {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ؟ وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه ومثلوا به كأشعياء، ويحيى بن زكريا وأشباههما؟ ومنهم من يهم بقتله قومُه؟ فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيا بنفسه كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقا لقومه، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت؟"وما نصروا على ما نالهم بما نالهم به؟"."
ثم أجاب ابن جرير على هذا السؤال باحتمالين،
أولهما: أن المقصود من الآية هو انتصار رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة.
وأما الوجه الثاني الذي تستريح له النفس هو قوله:"إن"