فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 244

وجه نبيّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم"، فأنزل الله عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] ."

وفي قصة لوط - عليه السلام - نرى هذا الحرص يتجلى في جدال سيدنا إبراهيم - عليه السلام - لرسل الله الذين أتوا إلى قوم لوط - عليه السلام -، وذلك في قول ربنا - عزّ وجلّ: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 74 - 75] .

قال الإمام القرطبي في تفسيره: فلما ذهب عن إبراهيم الفزع، وجاءته البشرى بإسحاق، {يُجَادِلُنَا} أي يحاجّ الرسل، وكان جداله - عليه السلام - على ضيفه أن قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المؤمنين، أمعذّبوهم؟ قالوا: لا، حتى صار ذلك إلى عشرة، قال: أرأيتم إن كان فيهم عشرة، أمعذّبوهم أنتم؟ قالوا: لا.

فأي حرص من هذا النبي الكريم على قومه حتى لا بنالهم عذاب؟!

أين هذا مما نراه من بعض الشباب الذي ربما يكون حرصه على أهله وعشيرته قبل هدايته يفوق حرصه بعد الهداية، وتعجب فتراه رحيما في جاهليّته، غليظا في إسلامه؟!

كنت تسمع منه الكلمة الطيبة، وترى بشاشة وجهه، وصلة رحمه، فإذا به بعد أن أطلق لحيته، جلس واعظا يرجمهم الجحارة قائلا لهم: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي ... } [مريم: 48] .

ولو أظهر هؤلاء الشباب حرصهم على أقرب الناس إليهم، لتغيّرت العلاقة بينه وبينهم، وعش مع أحد تلاميذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي هريرة - رضوان الله عليه - يقول: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أكره، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي للإسلام، فتأبى عليّ، وإني دعوتها اليوم، فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال: اللهم اهْدِ أم أبي هريرة، فخرجت مستبشرا بدعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما جئت قصدت إلى الباب، فإذا هو مجافٍ (مردود) ، فسمعتْ أمي حسّ قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت حصحصة (أي صوت تحريك ماء) ، قال: ولبستْ درعها، وأعجلت خمارها، ففتحت الباب وقالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. قال: فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فحمد الله وقال خيرا (1) .

فأي حرص هذا؟ ألا فاعتبروا يا أولي الألباب لعلكم تفلحون.

الداعي إلى الله إيمانه عميق، وثقته كبيرة في انتصار هذا الدين، فهو يؤمن بأن

(1) أخرجه مسلم وأحمد في الإصابة (4/ 241) . انظر أيضا: حياة الصحابة (1/ 176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت