حنيفة في الحديث، فلم يشترط الشهرة، وإنما الصحة والاتصال، ولم يأخذ بأقوال الصحابة، لاحتمال أن تكون عن اجتهادن ويحتمل الخطأ، وترك العمل بالاستحسان، وكان يقول:"من استحسن فقد شرع"، وهو يعني بذلك: الاستحسان المجرد عن الدليل الشرعي، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وكان ينقض مالكا في ذلك، وكان يقدم خبر الواحد على القياس.
وقد غيّر مذهبه حين أتى إلى مصر، وسمع ما عند علمائها من حديث، وفقهٍ، ورأى عادات وحالات اجتماعية تخالف ما سمع، ورأى في الحجاز والعراق.
ذكر ابن القيم أن مذهب أحمد بن حنبل مبني على أصول خمسة:
1 -النص من الكتاب، أو الحديث، ولم يلتفت في ذلك إلى اختلاف الصحابة أو عدم العلم بالمخالف الذي يسميه البعض بالإجماع.
2 -قول الصحابي عند عدم النص.
3 -إذا تعددت أقوال الصحابة في المسألة الواحدة اختار من أقوالهم أقربها إلى الكتاب والسنة، بحيث لا يخرج عن قولهم.
4 -تقديم الحديث المرسل والضعيف على القياس.
5 -استخدام القياس للضرورة، فلا يأخذ به إلا حين لا يجد شيئا في الأصول الأربعة المتقدمة (1) .
وكما أن للأدلة مراتب - كما رأيت - فكذلك معرفة مراتب الأحكام المستنبطة من هذه الأحكام الشرعية، وأنها ليست في درجة واحدة من حيث ثبوتها.
فهناك الأحكام الظنية التي هي مجال الاجتهاد، وتقبل تعدد الأفهام والتفسيرات، سواءً كانت أحكاما فيما لا نص فيه، أو فيما فيه نص ظني الثبوت، أو ظني الدلالة، أو ظنيهما معا.
وهذا شأن الأحكام المتعلقة بالعمل كالأحكام الفقهية، فهذه يكفي فيها الظن، بخلاف الأحكام المتعلقة بالعقيدة التي لا يغني فيها إلا القطع واليقين.
(1) مقالات في تاريخ الفقه الإسلامي، لفضيلة الشيخ عبد العال عطوة.