له به (1) .
عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اَلْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ» (2) .
أما الحديث الآخر الذي رواه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول: إن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الإسلام خير؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (3) .
فهل تأملت إجابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتتعلم فقه الدعوة؟ فهذا رجل يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أي الإسلام أفضل؟ فيقول له: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُوْنَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . ويسأله آخر: أي الإسلام خير؟ فيقول: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» ، فالأول تحذير لمن خشي منه الإيذاء بيد أو لسان، فأرشده إلى الكف، وفي الثاني ترغيب من رجي فيه النفع العام بالفعل والقول، فأرشد إلى ذلك.
وخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - هاتين الخصلتين لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت لما كانوا فيه من الجهد ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه - عليه الصلاة والسلام - حث عليهما أول ما دخل الناس، كما رواه الترمذي وغيره مصححا من حديث عبد الله بن سلام ولفظه: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَطْعِمُوْا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» .
وهنا نكتة يجب أن ينتبه إليها الدعاة، وهي مقتضى الحال، وهكذا يكون الداعي مع المدعو يعرف متى يقدم شيئا؟ ومتى يؤخره؟ فلقد قدم - صلى الله عليه وسلم - إطعام الطعام على الصلاة بالليل والناس نيام.
فتأمل - فقهك الله وإياي - كيف يكون الداعي مراعيا ظروف المدعو، والحال الذي عليه، حتى يخاطب القلوب، فتتأثر بما يقول، وتترجم الجوارح هذا القول عملا خالصا.
إن بعض الدعاة يريدون للمرضى أن يشربوا الدواء دفعة واحدة، لا كما حدّده الطبيب تدرجا، ولو فعل المرضى ذلك، لهلكوا، ولكن الحكمة تقتضي التدرج في الدواء، حتى يكون الشفاء بإذن الله.
فلو أن إنسانا كان من المبتدئين في قراءة القرآن مثلا، وتعتع فيه، فلا تشعره بحرم ارتكبه أن تشق عليه في تصحيح كل كلمة يقولها فيستحي من قراءته، ولكن تدرج معه وقل: والذي يتعتع بالقرآن تعتعة وهو عليه شاقٌ له أجران: أجر قراءته، وأجر تعتعته، فتأخذ بيده،
(1) البخاري (1/ 216) كتاب العلم.
(2) البخاري (1/ 53) .
(3) نفس المصدر السابق.