الحث على فعل الخير، وأداء الطاعات والاستقامة على أمر الله جاء في الكتاب والسنة مقرونا ببشريات كثيرة في الدنيا والآخرة معا، ولذلك، وجب على الداعي أن يقدم البشارة قبل النذارة، والترغيب قبل الترهيب.
فالداعي يقدم الترغيب في الإخلاص قبل الترهيب من الرياء، والترغيب في نشر العلم على الترهيب من كتمانه، والترغيب في الصلاة في وقتها قبل الترهيب من تركها، وهكذا، لأن أسلوب الترغيب قد يكون أجدى وأنفع من تقديم الترهيب دائما في كل حديث، فليست طبيعة الناس واحدة.
صحيح أن المسلم لا يستطيع تجاهل الترهيب، لاختلاف طبائع النفوس، ولكنه يبشر أولا قبل أن ينذر، علّ القلب يستجيب، والنفس تستقيم، وهذا أسلوب القرآن الكريم، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كمنهج واضح في التعامل مع نفوس البشر: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] ، وها هو ذا القرآن يبيّن لنا ما قاله إبراهيم - عليه السلام - عن ربه فيقول: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 78 - 82] ، فيجيب المدعو على التعرف على ربه مستبشرا بهذه النعم التي أسبغها عليه.
ويدعو القرآن الناس للإيمان فيشعرهم بالجائزة التي تنتظرهم فيقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الحديد: 28] ، وقد نرغب في الإيمان والعمل الصالح وما يجلبان من خير للمسلم في دنياه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] ، لأن من طبيعة النفس الإنسانية أنها تطمع في سعة العيش، ويسر الرزق، فَلِمَ لا ندلّه على هذا الباب؟ والذي يجلب له هذه المنفعة الدنيوية قبل الأخروية وذلك بالاستغفار، مثلا كما قال نوح - عليه السلام - لقومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12] .
وكذلك البشارة للمتقين: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ .. } [البقرة: 261] .
وعش مع القرآن ملاحظا هذا المنهج ستجد البشارة وإن كانت مقرونة بالنذارة، والترغيب، وإن كان مقرونا بالترهيب إلا أن الصفة الغالبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه بشير ونذير.