فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 244

أولا: أن من يسير في طريق الله ويبدأه باسم الله لا بد أن يتخلق بخلق الرحمن الرحيم؛ لأن رسالة الإسلام رحمة للعالمين، رحمة في مبناها ومعناها، رفعت الإصر والأغلال بعقيدتها، ونشرت العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى بشريعتها، وأتمّت مكارم الأخلاق بفضائلها، فإن كان رسول الإسلام رحمة مهداة، فإن أصحابه كذلك: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ، فمن أراد أن يدعو الناس لهذا الطريق، طريق الرحمة، فليكن رحيما بالمدعوّين، فـ «الرحماء يرحمهم الرحمن» (1) ، «ومن يرحم من في الأرض يرحمه من في السماء» (2) : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] ، «وَمَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (3) .

ثانيا: والرحمة لا تتحقق إلا بالحرص على من تدعو، فلا تكن مبغضا لهم، بل مشفقا عليهم، ترى ما لا يرون، فتأخذ بنواصيهم إلى الخير:"أنتم تلقون بأنفسكم في النار، وأنا آخذ بِحُجَزِكُمْ" (4) : {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .

ثالثا: أن يشعر الداعي بأن تحقيقه هذه الرحمة التي يبغيها متوقف على أمرين:

أ- عبادة خالصة لله.

ب- واستعانة به.

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، وكلما اقترب الداعي من ربّه، غمرتْه رحمات الرحمن.

رابعا: أن يعلم أنه إن فعل ذلك، فإنه يكون قد اقتفى أثر الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين، ولذلك فهو دائم السؤال لله أن ينعم عليه بهذه النعمة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} من القاسية قلوبهم، {وَلَا الضَّالِّينَ} المبعدين عن رحمة الله.

وصدق الله إذ يقول: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22] .

وهكذا في كل ركعة يتذكر الداعي الصفات التي يجب أن يتحلّى بها، والتي تخلّق بها الرسول الكريم القدوة الحسنة، صلوات الله وسلامه عليه.

والداعي حين تغشاه الرحمة بهذا الخلق، يعمّق في نفسه الإحساس بالتيسير على الناس والرفق بهم، فربّه الكريم لا يريد من الْخَلْق إلا اليسر من الأمر: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، فإذا بك في جوٍّ كلّه وُدٌّ، ورأفةٌ، ورحمةٌ، وحلم: « ... وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (5) .

(1) ورد في الحديث المتفق عليه عن أسامة ابن زيد - رضي الله عنهما - قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (رواه البخاري [1284، 5655، 6655، 7377، و 7448] ، ومسلم [923] ) .

(2) ورد في الحديث عن ابن مسعود - رضي الله عنهما - قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه الطبراني في الصغير [281] ، وفي الأوسط [1384، 3031] ، وفي الكبير [10277] ) ، وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع الصغير [896] .

(3) حديث صحيح متفق عليه عن أبي هريرة. انظر: البخاري [5997] ، ومسلم [2318] .

(4) ورد في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ» . انظر: صحيح البخاري [6483] ، ومسلم [2284] .

(5) متفق عليه. انظر: البخاري [6469] ، ومسلم [2755] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت