فالمولى - سبحانه وتعالى - رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه. يقول رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضوان الله عليها: «عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْء إِلَّا شَانَهُ» (1) .
وشعار الإسلام الذي عليه رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (2) . هذا ما قاله رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن، فقال: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» (3) ، وليس معنى أن تيسر وتبشر أن تبدل وتغير من حقائق الإسلام لتريح مستمعك، ولكن أن نعلم أن هذا الدين متين، فتوغل فيه برفق، فتراعي حسن المدخل للمدعو وروح الإسلام عند التطبيق.
ومن الرحمة أن تختار أيسر الأمرين ولا تشدد على الناس، فلقد كان - عليه الصلاة والسلام - لا يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الخلق عنه مصداقا لما جاء في الصحيح. أما الذين يطلبون المشقة والتشدد - وليس التشدد دليل على التدين - فإن هذا خروج على السنة. فقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن صوم الوصال، وقيام الليل كله، والرهبنة. وقال: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (4) .
وقال أيضا: «إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» (5) .
ولأن المشقة إذا خرجت عن مألوف الناس، ولم يحتملوها إن هم داوموا عليها، أدى ذلك إلى الانقطاع عن العمل، كان هذا تكليفا بما ليس في الوسع الشرعي، لأن المقصود: رفع الضرر والحرج. وقد قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185] ، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] ، وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] .
والعسر الذي يرغبه، بل وينشده بعض الداعين، إنما يرجع إلى عوامل نفسية، فما أحوج الداعي إلى نفس نقية راضية مرضية تفيض برحماتها على خلق الله، فإن رأيت بذور العسر في طريقك تتصاعدمن أعمامك، عالقة بأفكارك، محيطة بعقلك، فأسرع إلى ربك، وجدّد إيمانك، وطهّر هذا القلبَ من أضغانه، وهذه النفسَ من أمراضها، فإن ذلك من تلبيس إبليس، واعلم أنك في حاجة إلى روح وثّابة تستقي من الرحيق السماوي، فإذا بك تتحرّى المسلك الأيسر، ولن يتحقق ذلك إلا إذا رفقت بنفسك التي بين جنبيك، فلا تكلفْها شططا، ولا تحملْها ما لا تطيق، ولا تزجّ بها في دياجير العسر، حينئذ ترفق بغيرك، فتجبر كسره، وتراعي جوانب ضعفه في كل المواقف، فمن الرفق بالغير أن تهديه إذا الْتَبَسَتْ عليه السبل، وأن تغضي عن هفواته وتصفح عن صغائره، وتأخذ بيده، وتنير له الطريق، وألا تتبع عوراته، وأن تهتم به، فيستشعر رحمتك به، فيستجيب لك.
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.