لا شك أن فقه الدعوة أصبح علما من العلوم المعتبرة، له أصوله وقواعده، وينبغي على كل داعٍ إلى الله أن يراعي هذه القواعد، وهو يدعو الناس لدين الله، فلا يكفي أن يكون الداعية عابدا من العباد، أو ناسكا من النساك، فمع هذا التبتل المطلوب الذي يصبغ العابد بصبغة الله - {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} - لا بد له من فهم دقيق، وفقه واعٍ، حتى يدعو إلى الله على بصيرة. إذ بدون الفقه قد يضرّ الداعي ولا يفيد، وينفر ولا يشوق، ويفرق ولا يجمع. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً عَلِمَ مَقَالَتِيْ وَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا وَعَاهَا، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» ، و «فَقِيْهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» .. و «مَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّيْنِ» .
لذلك دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس فقال: «اَللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ» ، لأن الحديث في الأمر والنهي دون فقه به، ودون علم بمقاصد الشريعة، فتنة في الأرض وفساد كبير، فيجب على الداعي إلى الخير أن يعرف المصالح، والمقاصد، والقواعد الشرعية، لأن المصالح والمفاسد التي تعتبر مقياسا للأمر والنهي في الشرع الإسلامي هي التي تتفق أو تتنافى مع مقاصد الشريعة، إذ إن هذه المقاصد هي لتحقيق مصالح العباد، ودرء المفاسد عنهم في الآجل والعاجل، وبهذا تتحقق لهم السعادة الحقة في حياتهم وآخرتهم.
يقول العز بن عبد السلام:"إن الشريعة كلها مصالح، إما درء مفاسد، أو جلب مصالح" (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها" (2) .
وقال ابن القيم:"الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها" (3) .
ويقول الإمام الشاطبي:"إنها - أي الشريعة - وضعت لصالح العباد" (4) .
"إن من أول مقاصد الشريعة صيانة الأركان الخمسة الضرورية للحياة، وهي: الدين - النفس - العقل - النسل - المال."
ثم ضمان ما سواها من الأمور التي تحتاج إليها الحياة الصالحة مما دون تلك الأركان الضرورية في أهميتها، وهذه الأركان اتفقت الشرائع الإلهية، بل والوضعية أيضا على
(1) القواعد للعز بن عبد السلام (1/ 9) .
(2) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (1/ 147) ، (2/ 24) ، (3/ 118) .
(3) إعلام الموقعين (3/ 1) .
(4) الموافقات .