فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 244

ويا لها من فقهية أمنا الرءوم السيدة عاشئة - رضوان الله عليها - إذ تقول:"أول ما نزل من القرآن سور المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول ما نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر! لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا! لقالوا: لا ندع الزنا أبدا" (1) .

لا بد إذن من تغيير النفوس شيئا فشيئا، وإعدادها لتقبل أوضاع جديدة، وتهيئة النفوس التائهة لتقبل الحق، كما تهيئ الطفل للفطام بعد الرضاع. فإن أنت منعته مرة واحدة أصبته بضرر بالغ قد يهلكه. وإن أنت أخذته بالتدريج أعنته على الاعتماد على نفسه.

إن الخطوة الأولى على طريق الإصلاح تبدأ من الداعية نفسه حتى يتأكد من سلامة القاعدة التي ينطلق منها للإرشاد والتوجيه، وإلا أصبح كحاطب ليل لا يدري أي شيء يمسك. وصدق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِيْ فَوَعَاهَا فَأَدَّهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» (2) .

أنت - أيها الأخ المسلم - تتعامل مع بشر يعيش في دنيا لها جواذب، ونفس لها شهوات، فإن لم تعرف المداخل والأبواب التي تدخل منها إلى النفس، فإن الفشل سيصيبك لا محالة.

وأكبر خطأ يرتكبه الداعي مع من يدعو أن يبدأ معه حيث انتهى هو فهما وقولا وعملا، وينسى أولى الخطوات التي بدأها هو نفسه، فقد يكون حاله وقت ذاك أسوأ من حال الذي يدعوه الآن: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94] . ولذلك، فإن الداعي لا بد أن يبدأ مع من يدعو من حيث النقطة التي انتهى إليها، فهم المدعو، وليس من النقطة التي انتهى إليها فهم الداعي. واستمع إلى فقه عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يقول:"والله، لا أستطيع أن أخرج لهم شيئا من أمر الدين إلا ومعه طرف من الدنيا أستلين به قلوبهم خوفا من أن ينخرق عليّ مَن لا طاقة لي به" (3) .

قال ابن عقيل في الفنون:"حرام على عالم قوي الجوهر أدرك بجوهريته وصفاء تحيزته علما أطاقه فحمله، أن يرشح به إلى ضعيف لا يحمله ولا يحتمله، فإنه يفسده".

ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام: «نَحْنُ - مَعَاشِرَ الْأَنِبِيَاءِ - أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُوْلِهِمْ» .

وقال ابن الجوزي: لا ينبغي لعالم أن يملي ما لا يحتمله عقول العوام.

(1) البخاري، جـ 6، حديث [228] .

(2) رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد.

(3) أصول الدعوة، لعبد الكريم زيدان، ص 466.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت