فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 244

وقال البخاري: قال علي - رضي الله عنه:"حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُوْنَ، وَدَعُوْا مَا يُنْكِرُوْنَ، أَتُحِبُّوْنَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ".

وقال ابن مسعود - رضي الله عنه:"ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم".

فبالله عليك، أي فقه هذا الذي تعلمه خريجو مدرسة محمد - صلى الله عليه وسلم -! وكم كان السلف الصالح حكيما، فقيها، واعيا، يخاطب الناس على قدر عقولهم، ولا يحملهم ما لا يطيقون.

ونخن نرى اليوم بعض الإخوة المخلصين لا يلتفت إلى هذا المبدأ، وكل ما يهمه أن يصحح عقائد الناس بطريقة ينفر منها أكثر الناس، وتراهم يخاطبون الناس جميعا، لا فرق عندهم بين عالم وجاهل، أمي ومتعلم، حضري أو ريفي، الكل عندهم سواء في الخطاب، ويناقشون معهم مسائل لو عرضت على أئمة كبار لتحرّج أن يتكلم فيها.

فإذا عرضوا التوحيد، عرضوه بصورة أكاديمية علمية عقلية بصرف النظر عن مستوى المدعو من الثقافة الإسلامية أو التعليم العام، والأدهى والأمَرّ، فإن الذي لا يفقه هذا التوحيد الذي يعرضون، يصبح صاحب عقيدة بها من الدخن والدخل ما يفسدها، هكذا يقولون له. وليتهم يقرؤون ما رواه البخاري عن المقداد بن معدي كرب مرفوعا: «إِذَا حَدَّثْتُمُ النَّاسَ عَنْ رَبِّهِمْ، فَلَا تُحَدِّثُوْهُمْ مَا يَعْزُبُ عَنْهُمْ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ» .

ولقد روى الحاكم في تاريخه عن النضر بن شميل، قال: سئل الخليل عن مسألة فأبطأ بالجواب فيها، قال: فقلت: ما في هذه المسألة كل هذا النظر! قال: فرغت من المسألة وجوابها، ولكني أريد أن أجيبك جوابا يكون أسرع إلى فهمك.

واسمع إلى ما قاله الشافعي: لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله، ما فهمنا عنه، ولكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا، فنفهمه (2) .

إنها دروس مستفادة من سلفنا الصالح، ومن علمائنا الأجلاء الذين تعلموا منهج الدعوة من رسولهم - صلى الله عليه وسلم - وهاك درس منها، فاسمعه - إن شئت:

روى البخاري عن أبي معبد مولى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إِنَّكَ سَتَأْتِيْ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوْا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوْا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ

(1) رواه مسلم في المقدمة، وعزاه بعضهم إلى البخاري، هذه الروايات وردت في كتاب الأدب الشرعية والمنح المرعية، لشمس الدين بن عبد الله المقدسي الحنبلي، ص 161.

(2) الآداب المرعية، ص 161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت