عنه في مقالته لقومه، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان، تحركت هذه الحقيقة في ضميره، فلم يطق عليها سكوتا، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور، ولكنه سعى بالحق الذي استقرّ في ضميره، وتحرك في شعوره، سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويتوعدون ويهددون، وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفّهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين.
وظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان، ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته، ولكنها العقيدة الحيّة في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها، وهو لا يطلب أجرا، ولا يبتغي مغنما، إنه لصادق، وإلا، فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفا من الله؟ ما الذي يدفعه إلى حمل همّ الدعوة ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرّهم، واستهزائهم وتنكيلهم، وهو يجني من ذلك كسبا، ولا يطلب منهم أجرا (1) . إنه حرص الداعي على الناس، ورغبته في إنقاذهم من العذاب، وحبّه للناس ما يحبّه لنفسه .. يا له من حرص ما رأينا مثله إلا في دعوة الله، وتأمل حال الداعي بعد ما قتلوه، ينقل لنا القرآن مشاعره، ليس فيها حب للانتقام، ولا الحقد، ولا الضغينة، ونرى القرآن يبيّن لنا حال هذا الرجل المؤمن الداعي إلى ربّه وقد اطّلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة، يذكر قومه طيب القلب، ورضى النفس، ويتمنى لو يراه قومه ويرون ما آتاه ربه من الرضى والكرامة ليعرفوا الحق معرفة اليقين.
قال ابن عباس: نصح قومه في حياته، ونصحهم بعد مماته.
وقال أبو السعود: إنما تمنّى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب الثواب والأجر، والتوبة عن الكفر، والدخول في الإيمان، جريا على سنن الأولياء في الترحّم على الأعداء (2) .
أهل الباطل لا يناقشون الحجة بالحجة، ولا البينة بالبينة، إنما منطقهم عجيب. اسمع إليهم في قصة فرعون ماذا يقولون: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 25] .
هذا قولهم، أما قول زعيمهم فرعون: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] .
فهل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضالّ الوثني، عن موسى - عليه السلام: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} ، أليست هي بعينها كلمة كلّ
(1) ظلال القرآن (5/ 2965) سورة يس.
(2) صفوة التفاسير (3/ 11) سورة يس.