فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 244

طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادي؟

إنه منطق واحد، يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والإصلاح والطغيان، على توالي الزمان واختلاف المكان، والقصة القديمة مكررة تفرض بين الحين والحين (1) .

فهذا هو منطق الباطل: استهزاء"سخرية"، افتراء، مجادلة بالباطل، اعتداء حتى يصل إلى الإخراج من الأرض، ومع هذا، فإننا نرى في هذا الظلام الحالك النور الذي يحمله الداعي بين يديه والحرص على الناس من أن يلقوا في النار. والرحمة التي ينشرها عليهم وهو يلوذ بحمى ربّه، ويعوذ به من كل متكبر بيوم الحساب، ومع هذا، فإنه لا يقول لهم إلا خيرا. ليت الدعاة يَعُوْنَ هذا الدرس، ويستشعرون حرص الداعي على من يدعوه، ليتهم يستمعون إلى هذا الداعي الذي وقع الحق في قلبه وكتم إيمانه وهو يعيش في هذا الجوّ الذي نقله لنا القرآن كما رأيت، اسمع إليه وهو يدافع عن موسى، فما سبّ ولا لعن، لكنه يتسلل إلى قلوبهم بالنصيحة التي تسيل رقة، ممزوجة بالتخويف والإقناع: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 26] . وتأمل ذكا هذا الرجل وبعد نظره، وتأمل الألفاظ التي اختارها، والكلمات التي تكلم بها، والأسلوب الحكيم الذي يقنع به من يخاطبهم، إنه نوع من أنواع علم البيان الذي يسميه علماؤنا استدراج المخاطب، وذلك أنه لما رأى فرعون قد عزم على قتل موسى، أراد الانتصار له بطريق يخفي عليهم بها أنه متعصب له، وأنه من أتباعه، فجاءهم بطريق النصح والملاطفة، فقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا} ، ولم يذكر اسمه، بل قال: {رَجُلًا} ، ليوهم أنه لا يعرفه، ثم قال: {أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ} ولم يقل: رجلا مؤمنا بالله، أو هو نبي الله، إذ لو قال ذلك لعلموا أنه متعصب، ولم يقبلوا قوله، ثم أتبعه بقوله: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا} فقدّم الكذب على الصدق، موافقة لرأيهم فيه، ثم تلا بقوله: {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا} ولم يقل: هو صادق، وكذلك قال: {يُصِبْكُمْ بَعْضَ الَّذِي يَعِدُكُمْ} ولم يقل: كل ما يعدكم، ولو قال ذلك لعلموا أنه متعصب له، وأنه يزعم نبوّته، وأنه يصدّقه، ثم أتبعه بكلام يفهم منه أنه ليس بمصدّق له، وهو قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} ، وفيه تعريض بفرعون، إذ هو في غاية الإسراف والكذب على الله، إذ ادعى الألوهية والربوبية. ثم كرر النصح مع التلطف: {يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ} [غافر: 29] ، أنتم غالبون عالون على بني إسرائيل في أرض مصر قد قهرتموهم واستعبدتموهم اليوم: {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} ؟

قال الإمام الرازي: إنما قال: {يَنْصُرُنَا}

(1) ظلال القرآن (5/ 3078) سورة غافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت