فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 244

قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» ، قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوْا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوْنَ» (1) وأخبر بها معاذ قبل موته تأثما.

ويؤخذ من هذا الحديث أنه من كان في مثل فهم معاذ لا يمنع من إخباره - إنما يمنع من إخباره: الذين يتكلون على مثل هذه الأحاديث، فلا يعملون، ويفهمون غير معناها.

وفي رواية لمسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا هريرة أن يبشر بذلك الناسَ، فلقيه عمر، فدفعه، وقال: ارجع يا أبا هريرة، ودخل على أثره، فقال: يا رسول الله، لا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس، فخلّهم يعملون، فقال: «فَخَلِّهِمْ» ، فكان قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: «أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا» بعد قصة أبي هريرة فكان النهي للمصلحة، لا للتحريم (2) .

ويستفاد من هذه الأحاديث عدة فوائد، منها:

1 -ترك بعض الاختيار (3) مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه.

2 -اجتناب ما يشرع الناس إلى إنكاره.

3 -اجتناب ما يخشى منه تولد الضرر عليهم.

4 -تألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب.

5 -تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة.

عندما يتعلق الأمر والنهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني، أي مسألة اعتقادية، فإن الإسلام يقضي فيها قضاءً حاسما منذ اللحظة الأولى.

ولكن عندما يتعلق الأمر أو النهي بعادة أو تقليد أو وضعٍ اجتماعيٍ معقّد، فإن الإسلام يتريّث فيه، ويأخذ المسألة باليسر والتدرج، ويهيء الظروف التي تيسر التنفيذ والطاعة، كتحريم الخمر، والميسر، والرق، وغير ذلك (4) .

فأنت ترى مبدأ التدرج مبدأ أساسيا في دعوة الناس لدين الله حتى يفهموه على قدر عقولهم، ويقبلوا عليه بقلوبهم، فضع هذا المبدأ نصب عينيك وأنت تدعو الناس إلى دين الله.

(1) البخاري (1/ 226) .

(2) نفس المصدر السابق.

(3) المقصود ببعض الاختيار، أي: المستحب.

(4) روائع البيان في تفسير الأحكام (2/ 250) ، للشيخ محمد علي الصابوني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت