إن من أشق الأشياء وأصعبها: العملية التربوية، وما ذاك إلا أنها تعامل مع نفوس لا يحكمها قانون محدد يسير عليه الإنسان وتنتهي القضية. لا، فكل نفس لها تشكيلها الخاص، ومن ثم، الوسيلة الخاصة لمعالجتها، ولذلك، وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي كل إنسان، ويوجهه على حسب قدراته وميوله.
لأن نفوس البشر تألف الاعوجاج والتمرد، فإذا باشرتها بالإصلاح دفعة واحدة، فإن ذلك يعتبر مصادمة لها، فعليك بالتلطف والتدرج والتعرف على مداخلها، وهذه سنة الله في طريق دعوة الناس.
وتأمل نزول الرسالات وتدرجها، ففي عصر التوراة - مثلا - كانت النصائح التي نزلت على موسى بحسب الناس يومئذ: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145] .
وعندما صعدت الإنسانية في مدارج النضج الفكري، واتسعت آفاقها العامة، جاء القرآن الكريم في أسلوب أعمق وأرحب، واتخذ فيه الحديث عن الله، وعن الدار الآخرة، صورا من البيان العالي، والإقناع العلمي، وتضمن من القواعد والأحكام ما لا حاجة للناس بعده إلى إضافة أخرى تصلح بها النفوس أو المجتمعات أو الدول (1) .
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] .
وإذا كانت هذه سنة الله مع خلقه في التدرج في الرسالات، فإن القرآن نفسه نزل مفرقا كما قال ربنا: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا. وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [القيامة: 32 - 33]
(1) مع الله: دراسات في الدعوة والدعاة، للشيخ محمد الغزالي، ص 19.
(2) روح الدين الإسلامي، لعفيف عبد الفتاح طبارة، ص 24.