وليس ذلك - بداهة - عن طريق القسر، بل عن طريق لفت الأنظار، وإيضاح الخفي، وشرح المبهم، فإن فتك الجهل بالناس ذريع، وغلبة الأوهام على أفكارهم تذهب بهم بددا في كل فج، وتخيل إليهم أنهم على صواب، والواقع أنهم موغلون في الضلال، والسر هو الجهل، الجهل بأقسامه كلها، من بسيط إلى مركب، إلى جهالة الطيش والهوى.
والناس في حاجة ملحة إلى أن ينشط أهل الإيمان الصحيح لشرح أصوله، وإبداء صفحته، ودحض الشبه المثارة حوله، واستخراج الجهال من الكهوف المطروحين بها، تمتلئ صدورهم بأنفاس الحقيقة الرحبة (1) .
إن بعض الدعاة يعتبرون أن الإسلام قد بُلِّغ، وأنه لا يعذر أحد، لأن المسلمين عرفوا دينهم، ويقولون: وها هي ذا الدعوة انتشرت في كل مكان، فهل هناك من هو في حاجة إلى بيان، وهذا جهل بطبيعة الناس، وحقيقة فهمهم للإسلام.
يقول سهل - رحمه الله تعالى:"ما عُصِي الله تعالى بمعصية أعظم من الجهل"، قيل: يا أبا محمد، هل تعرف شيئا أشد من الجهل؟ قال:"نعم، الجهل بالجهل"، وهو كما قال، لأن الجهل بالجهل يسدّ بالكلية باب التعليم، فمن يظن بنفسه أنه عالم، فكيف يتعلم؟ وكذلك أفضل ما أطيع الله تعالى به العلمُ، ورأس العلم: العلم بالعلم، كما أن رأس الجهل: الجهل بالجهل (2) . وقد قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، نعم، نسأل لكي نتعلم، ويتضح لنا الطريق.
إن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث: مرحلة التعريف والتبشير بالفكرة، ثم مرحلة التكوين، وتخيّر الأنصار، وإعداد الجنود، وتربيتهم من بين هؤلاء المدعوين، بعد ذلك، مرحلة التنفيذ والعمل.
وإذا لم يتعرف الداعي على المرحلة التي يمر بها، ويتعامل معها، يحدث الخلط والخطأ. لأن لكل مرحلة: سماتها، ومتطلباتها، وأسلوب الدعوة فيها، وإن كانت هذه المراحل الثلاث تسير جنبا إلى جنب وهي متداخلة، فالداعي يعرّف، وهو في نفس الوقت يتخيّر ويكوّن، في الوقت نفسه يعمل وينفّذ.
ومرحلة التعريف من أهم هذه المراحل، لأنها المنطلق الأول في السير على الطريق، فأي خطأ أو انحراف في الفهم والمعرفة يوصل إلى نتائج سيئة، ويسير بالدعوة بعيدا عن خطّها، ومن هنا، وجب على الداعي ألا يتعجّل بالتكليف من قبل أن يستوفي التعريف.
(1) مع الله: دراسات في الدعوة والدعاة، للشيخ محمد الغزالي، ص 301.
(2) من كتاب: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، للشيخ محمد جمال الدين القاسمي (2/ 440) .