صلواتٍ في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (1) .
أرأيت إلى المنهج القويم، والأسلوب الحكيم في دعوة الناس، إنه - صلى الله عليه وسلم - يعلم معاذا أسلوبا من أساليب التدرج في الدعوة خطوة خطوة، تخفيفا على العقل في القبول، وتوطئته للتنقل من شيء إلى شيء عن طريق الرغبة والاشتياق، فهل يعي الشباب الداعي إلى الله هذه الدروس المستفادة؟
هناك حكمة تقول:"لا كل ما يعرف يقال، ولا كل ما جاز قوله جاء زمانه، ولا كل ما جاء زمانه جاء أهله ورجاله".
يقول كثير من العلماء بجواز"تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة والعمل".. فقد جاء الخطاب بكثير من الفرائض، ولكن لم يبيّنْها الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا عند الحاجة والعمل، فقد فرضت الصلاة، ثم لم يبيّنْها الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا عندما تعلّمها من جبريل - عليه السلام - وقال: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» ، وكذلك الحج، فرض، ثم بيّنه عندما حجّ وقال: «خُذُوا عَنِّيْ مَنَاسِكَكُمْ» .
وقول ربنا: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 17 - 19] .
{فَاتَّبِعْ} أي: فاستمع وأنصت، و {بَيَانه} أي: علينا أن نقرأه، ويحتمل أن يراد بالبيان: بيان مجملاته، وتوضيح مشكلاته، فيستدل به على جواز"تأخير البيان عن وقت الخطاب"، كما هو الصحيح في الأصول (2) ، فالبيان هنا متأخر عن الإتباع (الإنزال) .
"وفي كلام الناس، قد يقول الرجل:"لي إليك حاجة مهمة"، ولا يبين هذه الحاجة، وقد يقول:"ولّيْتُك ولاية كذا، وسأبعث إليك مذكرة بتفصيل ما تفعل" (3) ، كل ذلك، حتى يستوعب العقل ما يعرض عليه، وإلا، أصبح فتنة، كما أخبرنا ابن عباس مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَا تُحَدِّثُوْا أُمَّتِيْ مِنْ أَحَادِيْثِيْ إِلَّا مَا تَحْمِلُهُ عُقُوْلُهُمْ، فَيَكُوْنُ فِتْنَةً عَلَيْهِمْ» ."
واسمع إلى ما كتبه عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن عديّ:"إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش، فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن مِتُّ فما أنا على صحبتكم بحريص".
(1) البخاري (8/ 64) .
(2) البخاري (1/ 30) كتاب بدء الوحي.
(3) بيان النصوص التشريعية، للشيخ بدران أبو العينين، بتصرف.