فهرس الكتاب
محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي كانت الأصنام تحيط بالكعبة وحانات الخمر لا يخلو منها طريق، وبيوت الدعارة بجوار الكعبة ترفع عليها الرايات ليعرفها القاصد، والنساء يطفن عرايا وهو في جوف الكعبة ما امتدت يده إلى شيء منها تحطمه أو تزيله حتى حطم أصنام القلوب وتعامل معهم وهو الصادق الأمين الرؤوف الرحيم، فإذا بالأيدي التي كانت آثمة بالأمس هي نفسها التي تزيل وتكسر ما كانت تعبد، وهكذا يكون دور الداعية أن يجعل من الشخصيات التي كانت تعبد الصنم والوثن، وتشرب الخمر، وتلعب الميسر، وتئد البنات، وتأكل الربا، وتسجد لكسرى وقيصر، تقول:"إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
واسمع إلى الإمام مالك والشافعي والبيهقي عن عبد الرحمن القارئ قال: قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ. فَأَخْبَرَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ (1)
فَقَالَ: نَعَمْ. رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ.
قَالَ: فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟
قَالَ: قَرَّبْنَاهُ، فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَفَلاَ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثًا. وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا. وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللهِ.
ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ، إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ. وَلَمْ آمُرْ. وَلَمْ أَرْضَ، إِذْ بَلَغَنِي.
لقد فقه ذلك الشهيد حسن البنا - رضوان الله عليه - وعلّم ذلك لأتباعه من الإخوان المسلمين وجعله منهاجا لحركته، وأسلوبا لدعوته، واسمع إلى ما يقوله الأستاذ: أحمد حسن.
لقد عنّ لي في شبابي، وقد كان يحيط بي شباب متدين، وكانت الخمارات، ومحلات بيع الخمور منتشرة في كل مكان:"أمام المدارس وبجوار المساجد"، فعنّ لنا أن نقاوم بعمل مادي انتشار الخمر بأسلوب القوة نزولا على قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ... الحديث» . فعمد بعض الشباب المحيطين بي فهاجموا متجرين أو ثلاثة لبيع الخمور وحطموا بعض زجاجات الخمر، وأراقوا براميله، وهاجت الدنيا وماجت واعتبر ما حدث عدوانا على نظام الدولة، وتصدت لنا حكومة ذلك الزمان بكل قوة عنف، ولم يدهشني ذلك بطبيعة الحال، فقد كان الإنجليز هم الذين يحكمون مصر، ولكن الذي روعني حقا وأصابني بخيبة أمل شديدة مقال كتبه الشهيد حسن البنا، يعترض فيه على الأسلوب الذي انتهجناه، وأنا أعلم الآن أنه كان يتحدث بما يمليه الإسلام، روحا ونصا. كما ظهر لي بعد الدراسة - ولكن في ذلك الوقت غضبت أشد الغضب واعتبرت الأمر مناورة
(1) أي هل جاء خبر جديد من بلد بعيد.