فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 244

بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص: 15 - 19] .

إن الظلم جريمة يجب استئصالها بدون نزاع، وموسى إنما كانت رسالته تخليص بني إسرائيل مما كان يقع بهم، فهل سلك موسى بهذا العمل سبيلا سديدا في علاج هذا الفساد؟ ماذا عاد على الإسرائيليين من قتل المصري المعتدي؟ هل استؤصل الظلم وامتنع الأذى؟ إن هذا المصري قد يكون له بعض العذر في ضرب الإسرائيلي وظلمه، لأنه إنما يجري في ذلك على عادة شائعة موروثة، وسنة مرعية، يرعاها ويباركها فرعون مصر الأكبر، فإذا أردنا العلاج الصحيح، فلن يكون بعلاج الحوادث الفردية، وإنما بتغيير العادة الشائعة وإبطال السنة أو القانون الذي يرعاه فرعون، أما قتل فرد أو عدة أفراد، كما حدث من موسى - عليه السلام - فهو عمل لا يقرب من الإصلاح خطوة واحدة، وقد نعته موسى - عليه السلام - بأنه من عمل الشيطان.

والجدير بالذكر أن علاج الفساد بعلاج حوادثه الفردية، كثيرا ما يوقع تحت طائلة القانون الوضعي، ويغضب مقامات كبيرة لها منفعة في استمراء على ما هو عليه، وحينئذ يعرض الداعية نفسه لحكم القانون، ولبطش الجبارين في غير نفع يعود على الرسالة، فإذا بالدعوة تصدّ وتعاق عن الانتشار، وإذا بجهد الداعية يبدد دون فائدة، ونحن لا نقصد بذلك أن يكون الداعية جبانا مستكينا، ولكن نحب للداعية أن يتسع أفقه العقلي والنفسي، فيعالج مبعث العلة وأصلها بالحكمة والروية وحسن النظر في مبادئ الأمور ونهايتها، فذلك السبيل الطبيعي للعلاج، أما الوثوب على الحوادث الفردية ومظاهر الفساد المتفرقة، فشأن البسطاء الذين يذهبون مع حرارة العاطفة دون تقيد بالنظر في عواقب الأمور، وشأن من لا يدخرون أنفسهم لما هو أجل، إن هذا الخطأ يقع فيه الكثير بحسن نية، كما وقع من موسى وهو شاب يميد به عنف الشباب. فكانت العاقبة الحتمية أن تنبه الملأ من قوم فرعون إلى خطر هذا الشاب فأتمروا به ليقتلوه، ولكن الله بالغ أمره. وقد أعدّ موسى ليقوم في الوقت المناسب برسالته الإصلاحية الخطيرة، وقد رأى - سبحانه وتعالى - أن هذا من شأنه أن يقطع الطريق على الداعي بالقبض عليه، أو بقتله، وكان من تدبيره جلت حكمته أن أراد له أن ينضج على مهل في بادية بعيدة في رعاية نبي صالح، فقبض له من نصحه بالخروج من المدينة، لأن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، فخرج منها خائفا يترقب، فلما تم نضجه - عليه السلام - وبلغ سن النبوة عاد إلى رأس الفساد يعالجه بالقول اللين وبالبرهان المبين، دون أن يلتفت إلى مظاهر الفساد التي كانت من قبل تدفعه إلى الخطأ (1) ، فأين ذلك من رسولنا

(1) تذكرة الدعاة، للشيخ البهي الخولي، ص 224 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت