فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 244

عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن ناسا قالوا له: إنا ندخل على سلاطيننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال ابن عمر: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ومن أجل ذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته أن يحثوا التراب في وجوه المداحين، لكيلا يغشو النفاق، ويصطبغ المجتمع بالمصفقين والمطبلين والهتافين والإمعات.

أخرج الشيخان وأحمد والترمذي: أن رجلا قام يثني على أمير الأمراء؛ فجعل المقداد - رضي الله عنه - يحثو في وجهه التراب، ويقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِيْنَ، فَأَحْثُوا فِيْ وُجُوْهِهِمُ التُّرَابَ» ، وليس الثناء على الإنسان بما هو أهله لا تريد منه جزاء ولا شكورا، كي يزداد في فعل الخير أو التعريف به لقوم لا يعرفونه من المدح المذموم، وحتى لو حدث، فقد سنّ لنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحالة أن نقول: «أَحْسَبُهُ كَذَلِكَ، وَلَا نُزَكِّيْ عَلَى اللهِ أَحَدًا، وَاللَّهُ حَسْيِبُهُ» .

وأما الإطراء والمبالغة في المدح، فهذا أمر قد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه.

فعن رجاء بن محجن الأسلمي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومحجن كانا في المسجد، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي ويسجد ويركع، فقال الرسول - عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَذَا؟» ، فَأَخَذَ مِحْجَنٌ يُطْرِيْهِ (أي: يُبَالِغُ فِيْ مَدْحِهِ) ، وَيَقُوْلُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، هَذَا فُلَانٌ، هَذَا فُلَانٌ، فَقَالَ: «أَمْسِكْ، لَا تُسْمِعْهُ، فَتُهْلِكُهُ» (1) .

وفي رواية للإمام أحمد: يَا نَبِيَّ اللهِ، هَذَا فُلَانٌ مِنْ أَحْسَنِ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ، أَوْ قَالَ: أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ صَلَاةً، قَالَ: «لَا تُسْمِعْهُ فَتُهْلِكُهُ، إِنَّكُمْ أُمَّةٌ أُرِيْدَ بِكُمُ الْيُسْرَ» .

لقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إسماع المديح المبالغ فيه إهلاكا، لما له من آثار نفسية في نفس الممدوح، قد يشمخ بأنفه، أو يستعلي بنظراته، ويتطاول على الناس، وفي هذا إهلاك له وأي إهلاك؟ ومن هنا نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.

فعلى الداعي أن يلتزم هذا الاعتدال دون شطط ولا مغالاة ولا مداهنة ولا مراعاة إلا ما أباحه الشرع في إطار المداراة والمجاملة المشروعة لمصلحة الدعوة لدفع مضرة يصيبها أو تآمر عليها، أو دفع الأذى عن الداعي، أما غير ذلك فلا.

عاشرا: أن تتجنب معه الخلافات الفقهية وتترك المراء والجدل المذموم

هذا موضوع جدير بالتفقه فيه، لأن كثيرا من الإخوة المخلصين يفاضلون الناس من أجل خلاف فرعي.

ونود ابتداء أن نقول: إن أحكام الإسلام إما أصلية وإما فرعية، أحكام متفق عليها أو أحكام يختلف فيها الفقهاء. والخلاف الفقهي لا يعدّ منكرا تنكره، لأن كلا من الأئمة الثقاة

(1) صحيح البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت