وتحسين الباطل، وتغيير الحقيقة، ولا سيما إذا كان مَن يُداهنه من علية القوم. وهذا ما أشارت إليه الآية: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] .
ومن أمثلة المداراة ما رواه البخاري عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - أن رجلا استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «اِئْذَنُوْا لَهُ، فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيْرَةِ» ، فلما دخل، أَلَانَ له - عليه الصلاة والسلام - الكلامَ، فقلت: يا رسول الله، قلتَ ما قلت، ثم أَلَنْتَ له في القول؟! فقال - عليه الصلاة والسلام: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنْ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ، مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اِتِّقَاءَ فُحْشِهِ» .
وروى البخاري: كان أبو الدرداء يقول: إنا لَنَكْشِرُ (أي: نبتسم) في وجوه أقوام، وإن قلوبنا تلعنهم.
وروى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما قدم عيينة بن حصن، نزل على ابن أخيه: الجدّ بن قيس، وكان من النفر الذي يدنيهم عمر - رضي الله عنه - إذ كان من قراء أصحاب مجلس أمير المؤمنين ومشاوراته.
فقال عيينة لابن أخيه الجد: استأذنْ لي على أمير المؤمنين، فاستأذن له، فلما دخل، قال: يا ابن الخطاب، والله، ما تعطينا الجزل (أي ما نستحقه من العطاء) ، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر، حتى همّ أن يوقع به، فقال الجد بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ، وإن هذا من الجاهلين، فوالله، ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله - عزّ وجلّ -
فهل أزيدك - وما أحوجنا لهذه الزيادة لنفقه منهاج الدعوة - اسمع إلى هذه القصة:
خرج زين العابدين بن علي بن الحسن - رضي الله عنه - إلى المسجد، فسبّه رجل، فقصده غلمانه ليضربوه ويؤذوه، فنهاهم زين العابدين، وقال لهم: كفوا أيديكم عنه، ثم التفت إلى ذلك الرجل وقال: يا هذا، أنا أكثر مما تقول، وما لا تعرفه مني أكثر مما عرفته، فإن كان لك حاجة في ذكره، ذكرته لك.
فخجل الرجل واستحيا، فخلع زين العابدين قميصه، وأمر له بألف درهم، فمضى الرجل وهو يقول: أشهد أن هذا الشاب ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) .
فما أحوجنا نحن الدعاة إلى الله لمن يشهد لنا بأننا تلامذة مدرسة النبوة، لسلوكنا، وأخلاقنا، واتباع المنهج الأقوم الذي أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإياك - أخي المسلم - والمداهنة، بأن تركن إلى العادات، والتقاليد، بل والاعتقادات التي تبطل الحق، وتظهر الباطل.
فقد روى ابن جزىّ أن الكفار قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا، لعبدنا إلهك، فنزلت: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] (2) .
إن الداعي لا ينزلق إلى الكذب ولا المخاتلة، ولا التزلف ولا المجاراة، روى البخاري
(1) مختصر منهاج القاصدين للمقدسي.
(2) التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزى.