فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 244

يخل بشيء من الفرائض، وهذا مفلح بلا شك، وإن كانت مواظبته على ترك السنن مذمومة، وترد بها الشهادة، إلا أنه ليس بعاصٍ، بل هو مفلح ناجٍ، والله أعلم (1) .

يقول فضيلة الدكتور القرضاوي:"ومما أنكر على الشباب المسلم اشتغالهم بكثير من المسائل الجزئية والأمور الفرعية، عن القضايا الكبرى التي تتعلق بكينونة الأمة وهويتها ومصيرها، فترى كثيرا منهم يقيم الدنيا ويقعدها من أجل حلق اللحية أو الأخذ منها أو إسبال الثياب، أو تحريك الإصبع في التشهد أو اقتناء الصور الفوتوغرافية أو نحو ذلك من المسائل التي طال الجدال، وكثر فيها القيل والقال."

هذا في الوقت الذي تزحف فيه العلمانية اللادينية، وتنتشر الماركسية الإلحادية، وترسخ الصهيونية أقدامها، وتكبد الصليبية كيدها، وتعمل الفرق المنشقة عملها في جسم الأمة الكبرى، وتتعرض الأقطار الإسلامية العريقة في آسيا وإفريقيا لغارات تبشيرية جديدة يراد بها محو شخصيتها التاريخية، وسلخها من ذاتيتها الإسلامية، وفي نفس الوقت يذبح المسلمون في أنحاء متفرقة من الأرض، ويضطهد الدعاة الصادقون إلى الإسلام في بقاع شتى.

والعجيب أني وجدت الذين هاجروا أو سافروا إلى ما وراء البحار في أمريكا، وكندا، وأوروبا لطلب العلم، أو طلب الرزق، قد نقلوا هذه المعارك الجانبية إلى هناك.

وكثيرا ما رأيت بعيني وسمعت بأذني، آثار هذا الجدال العنيف، وهذا الانقسام المخيف بين فئات المسلمين حول تلك المسائل التي أشرنا إلى بعضها وما يشبهها من قضايا اجتهادية، ستظل المذاهب والآراء تختلف فيها، وهيهات أن يتفق الناس عليها.

وكان الأولى بهؤلاء أن يصرفوا جهودهم إلى ما يحفظ على المسلمين وناشئتهم أصل عقيدتهم ويربطهم بأداء الفرائض، ويجنبهم اقتراف الكبائر، ولو نجح المسلمون في تلك الأقطار الأجنبية في هذه الثلاث: حفظ العقيدة - وأداء الفريضة - واجتناب الكبائر، لحققوا بذلك أملا كبيرا، وكسبا عظيما.

ومن المؤسف حقا أن من هؤلاء الذين يثيرون الجدال في هذه المسائل الجزئية، ويؤججون نارها باستمرار، أناسًا يعرف عنهم الكثيرون ممن حولهم، التفريط في واجبات أساسية، مثل بر الوالدين، أو تحري الحلال، أو أداء العمل بإتقان، أو رعاية حق الزوجة، أو حق الولد، أو حق الجوار، ولكنهم غضوا الطرف عن هذا كله، وسبحوا، بل وغرقوا في دوامة الجدل الذي أصبح لهم هوية ولذة، وانتهى بهم إلى اللجج والخصومة والمماراة المذمومة، وهذا

(1) مسلم (1/ 171) ، باب السؤال عن أركان الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت