ستوجه إليه الاتهامات والأباطيل كسلاح يشهره أعداؤه عليه، فعليه التحلي بالصبر والثبات، وأن يدعو الناس على بصيرة للعودة إلى المصادر الأصلية لهذا الدين ليستقوا منه.
والغريب، أن أكثر الذين يتطاولون على هذه الدعوة هم المترفون والأكابر في كل عصر ومصر: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} [الأنعام: 123 - 124] .
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 34 - 35] .
وهم الذين: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] ، لأنهم يقارنون بين حالهم من سعة في المال، وبسطة في الجسم، ورفعة في المركز، وحال المسلمين من ضعف، وفقر، ومهانة: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] ، حتى إنهم طلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطردهم من مجلسه، حتى يؤمنوا، وقالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - تدني هؤلاء؟ يقول سعد بن أبي وقاص:"كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة نفر، فقال المشركون للنبي:"اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا"، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لستُ أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله - عزّ وجلّ: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... الآية} [الأنعام: 52] (1) ."
والداعي لا يجاري القوم في مطالبهم، ولا عاداتهم، ولا تقاليدهم التي تتصادم وقواعد الشرع وأحكامه وآدابه، وأصحاب الدعوة ينبغي أن لا تستخفهم أهواء البشر، رغبة في كسبهم إلى الدعوة؛ لأن الرغبة في الاستجابة لمقترحات بعض المدعوين هي التي تقوم بعض الدعاة اليوم إلى محاولة - لا أقول تغيير بعض الأعراف والعادات الإسلامية فحسب - بل تصل إلى محاولة تحوير العقيدة ذاتها، أو تحوير النظام الإسلامي بما يتناسب مع الأوضاع الشاذة، فما الذي يفعله الداعي أمام قوم يقولون مثلا: إن الإسلام شعائر لا شأن لها بالشرائع، أو دين لا شأن له بالدولة، أو أخلاق لا شأن لها بالسياسة!
إن الاستجابة لمثل هذه المطالب والمقترحات باسم المرونة ويسر الدين، تجعل من الدين نفسه ألعوبة لا منهج له ولا تصور رباني خاص به، لذلك قال ربنا لرسولنا - صلى الله عليه وسلم:
(1) رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة (4/ 878) . وجاء في رواية الواحدي ذكر الستة المشار إليهم في حديث سعد بن أبي وقاص، وهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وصهيب أو عمار، والمقداد، وبلال.