{فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 15] .
والحقيقة التي لا مفر منها: أن أعداء الإسلام يحاولون الصدّ عن سبيل الله، سواء في ذلك صدّ الناس عن اتباع حملة الحق ودعاتهن أو صد الدعاة عن استمرارهم في الدعوة إلى الله وتبليغ دينه إلى الناس بكل الوسائل بالتهديد والإيذاء، أو الإغراء والإغواء، أو بالتشهير والتشويه.
ورضوان الله عن الإمام الشافعي حين سئل: أيما أفضل للرجل: أن يُمَكّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي روتْه السيدة عائشة - رضوان الله عليها - لمعاوية:"من أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، لم يغنوا عنه من الله شيئا" (1)
إن الذين يتحدثون عن دين الله الحق، ويظهرون اطمئنانهم إليه وإيمانهم به، ثم يرون حرماته تنتهك، وحِماه يُستباح، فلا تتحرك لهم غيره عليه، ولا يهرعون لحمايته والذوذ عنه حبا لهذه الحياة، وعزوفا عن الآخرة، اشتروا العاجلة بالآجلة: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 18 - 19] .
أما الذين لديهم الغيرة على دين الله، فلا بد لهم من أن يتصدّوا لهذه الشبهات والمنكرات وما لا يرضى الله، ليس بالعاطفة، أو الاستثارة، أو العنف، فكم من أناس تصدّوا للدعوة والإفتاء والقول في دين الله من غير أن تكون لديهم الآلة ولم يجمعوا الأدوات، وليسوا أهلا للاجتهاد، وبذلك يسيئون لدعوتهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ولو كان ذلك بحسن نية.
ونحن نعلم أن السبب في وضع علم أصول الفقه، ووضع الضوابط والقواعد، أنه دخل الدخيل، فأفتى بغير علم، فضلّ وأضلّ، وإذا كان علم أصول الفقه هو العلم الذي يبحث في استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وهو ما يتعلق بالشريعة ..
فإننا يجب أن نعدي هذه القواعد من نطاق الأحكام الشرعية العملية إلى نطاق الدعوة العامة إلى الله، كي يتزود الداعي بقواعد وأصول وضوابط تحكم دعوته، حتى لا ينحرف عن المنهج الحق، منهج الدعوة الذي سلكه الأنبياء - كما رأيت - ورسل الله جميعا: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] ، فاقتدى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الداعي الأول.
(1) الترمذي، كتاب الزهد (4/ 609 - 610) .