فما أمسّنا إلى داعٍ واعٍ يعرّف الناس بالغاية، ويبصرهم بالهدف، ويحدد لهم الوسائل، ويوضح معالم الطريق، حتى يكونوا على بينة من أمر دينهم، فتبيّنوا سياسة النَّفَس الطويل، والصبر الجميل.
إن معرفة الطريق تحدد طبيعة الخطى، فلا نستعجل قطف الثمرة قبل نضجها، فكثير من الناس، لعدم وضوح المرحلة التي يمرون بها، ولعدم استكمال ركن الفهم لديهم، يَوَدّون أن تنبت البذرة قبل وقتها، أو تنضج الثمرة قبل أوانها، وما أحلى ما قاله الإمام الشهيد حسن البنا مخاطبا الذين يستعجلون الثمرة قبل نضجها فيقول:
"أيها الإخوان المسلمون، وبخاصة المتحمسين المتعجلين منكم: اسمعوها مني كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر، في مؤتمركم هذا الجامع، إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولست مخالفا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل، قد تكون طريقا طويلة، ولكن ليس هناك غيرها".
إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة، والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقطف زهرة قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة، إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة، ويحين القطاف، فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه إحدى الحسنيين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة (1) .
ألا يستحق هذا الفهم الدقيق، صبرا على الناس في مرحلة التعريف، حتى يصير إيمانا عميقا يحيطه سياج من الحب الوثيق بين رفقاء الطريق، فإذا بالتكاليف مهما كانت شاقة على النفس، استعذبتها، فإذا حملت في طياتها الشهادة، قال صاحبها: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّي لِتَرْضَى} .
كما يجب على الداعي أن يوضح للمدعو وقبل أن يكلفه بتبعات الطريق، أن طريق الله، وإن كانت محفوفة بالمكاره، إلا أن نهايتها النصر لا محالة: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] .
فعلى الداعي أن يعرّف السائرين في هذا الطريق الثقةَ فيه، وأنه الموصل إلى الغاية التي يقصدونها، حتى لا يتعرضوا للتيه والضياع.
فهل لنا أن نثق في طريق الله؟ فغايتنا مرضاته سبحانه، ودستورنا قرآنه، وجهادنا السبيل،
(1) طريق الدعوة، للأستاذ مصطفى مشهور، ص 19.