فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 244

والاختلاف في الأحكام الفرعية العملية الظنية لا ضرر فيه ولا خطر، إذا كان مبنيا على اجتهاد شرعي صحيح، وهو رحمة بالأمة، ومرونة في الشريعة، وسعة في الفقه، وقد اختلف فيها أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تبعهم بإحسان، فما ضرّهم ذلك شيئا، وما نال من أخوّتهم كثيرا ولا قليلا.

روى ابن وهب عن القاسم بن محمد قال:"أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب محمد لا يختلفون؛ لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق، وإنهم ائمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم، لكان سنة" (1) .

وفضلا عن ذلك، فهناك الأحكام التي ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع، ووصلت إلى درجة القطع، وإن لم تصبح من ضروريات الدين، وهناك الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث يسوي في العلم بها العام والخاص، وهي التي يكفر من أنكرها بغير خلاف، لما في إنكارها من تكذيب صريح لله ولرسوله.

فلا يجوز أن توضع الأحكام كلها في إطار واحد ودرجة واحدة، حتى يسارع بعض الناس إلى إلصاق الكفر بكل من عارض حكما ما دون تمييز بين الأصول والفروع، ولا تفريق بين الثابت بالنص والثابت بالاجتهاد، وبين القطعي والظني في النصوص، وبين الضروري وغير الضروري في الدين، فلكل منها منزلته، وله حكمه الذي يجب أن يعيه المتصدي للدعوة إلى الله.

ولقد رأينا في زماننا من كفر بالأقوال والأعمال معتمدين على أدلة محتملة، كالنصوص التي أطلقت الكفر على بعض المعاصي، أو سلبت الإيمان عن مرتكبها، مثل: «لَا تَرْجِعُوْا بَعْدِيْ كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ وُجُوْهَ بَعْضٍ» ، ومثل: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ» ، ومثل: «لَا يَزْنِي الزَّانِيْ حِيْنَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِيْنَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» غير مفرقين بين كفر النعمة وكفر الجحود، ولا مميزين بين الكفر الأصغر - كفر المعصية - والكفر الأكبر المخرج من الملة، آخذين بما يوافق أهواءهم من الظواهر، تاركين ما عداها مما هو أولى وأقوى، ضاربين النصوص بعضها ببعض، متبعين للمتشابهات، معرضين عن المحكمات البينات، والله يقول: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] .

وكما أن الأعمال مراتب، والأحكام مراتب، فالناس كذلك مراتب، وأقصد بالناس

(1) المدخل الفهي العام (1/ 212) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت