هنا أهل الإسلام، ولهذا يخطئ من يعامل الناس كل الناس على أنهم مرتبة واحدة دون تمييز بين العموم والخصوص، أو المبتدئ والمنتهي، أو الضعيف والقوي، مع أن في الدين متسع للجميع، حسب رتبهم واستعداداتهم. ولهذا وجدت العزيمة كما وجدت الرخصة، والعدل والفضل، والفرض والنفل، والالتزام والتطوع. وقديما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين (1) .
وهكذا أيها الأخ الداعي تلاحظ، أن حفظ النصوص، والوقوف عند الدليل الشرعي دون تمحيص، ودون معرفة بما قاله العلماء فيه أمر بالغ الخطورة، وقد يؤدي بك إلى أن تفتي بغير علم، أو تقول ما ليس بحق، وتورد الناس موارد الهلاك، وبذلك تسيء إلى دينك ودعوتك، وتحسب أنك أحسنت صنعا، ولو قلت لا أدري، لكان خيرا لك وللناس.
إن الاستقاء المباشر من كتاب الله، أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغ الصعوبة على العامة ومن في منزلتهم، ولذلك، وجب على الداعي أن يستقي من معين العلماء، وينقل فهمهم إلى العامة نقل التلميذ الأمين عن الأستاذ الحصيف.
فمثلا، لماذا نختلف على من يشرب الماء قائما أو قاعدا - ولقد صح عن الخمسة أئمة الحديث ما عدا أبا داود - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ماء زمزم فشرب وهو قائم.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنا نأكل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام (2) .
وعن مالك أنه بلغه أن عمر وعثمان وعليا كانوا يشربون قياما.
بينما روي عن أنس بن مالك قال:"لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسي فليستقئ".
ويرى الفقهاء أن الشرب عن قيام مباح، وأنه عن قعود أفضل، ولا حرمة فيما لو شرب قائما .. وكلّ على حسب حاله ..
ومثل ذلك التبول وقوفا، وبهذا، الفقه، وسعة الصدر ينتهي الخلاف المذموم، ويحلّ محلّه الاختلاف المحمود في الرأي، واختلاف الرأي لا يذهب للود قضية.
واسأل نفسك بعد هذا الفهم: هل من الأفضل أن نترك مثل هذه الأمور الخلافية، كإسبال الإزار، والأخذ من اللحية، أو حتى حلقها، والصلاة في مسجد مقبور، وغير ذلك مما لا حصر له من المسائل الخلافية، ونعلم الناس العقيدة بيسرها وسهولتها، والإسلام بشموله وعمومه من نظم الحكم، وأساليب الشورى، وتداول المال، وتظالم الطبقات، ونقدم لهم الحل الإسلامي في مشكلات الشباب، ومتاعب الأسرة، ونبين لهم أن عماد ذلك كله عقيدة صافية، وأخلاق عالية، ونظم سامية توحد المسلمين وتجعلهم صفا واحدا، ونظاما
(1) رسالة الصحوة للقرضاوي، ص 38 - 39، المصدر السابق.
(2) أخرجه الترمذي وصححه.