ولقد رأينا في عصور الانحطاط إهمال المسلمين - إلى حد كبير - فروض الكفاية المتعلقة بمجموع الأمة، كالتفوق العلمي، والصناعي، والحربي، ومثل الاجتهاد في الفقه واستنباط الأحكام، ومثل نشر الدعوة الإسلامية، ومثل مقاومة البدع والمظالم.
بل، وأهملوا بعض الفرائض العينية أو أعطوها دون قيمتها، مثل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأدهى من ذلك، نراهم يهتمون ببعض الأركان دون البعض، فيهتمون بالصيام ويتركون الصلاة، ويهتمون ببعض النوافل أكثر من اهتمامهم بالفرائض والواجبات، فيهتمون بالأذكار والتسابيح والأوراد، ولم يولوا هذا الاهتمام الكثير من الفرائض الاجتماعية، مثل إنكار المنكر، ومقاومة الظلم الاجتماعي والسياسي.
وكما أن للمأمورات مراتب، كذلك فإن للمنهيات مراتب، منها: المكروه تنزيها، وهو ما كان إلى الحلال أقرب، ومنها المكروه تحريما، وهو ما كان إلى الحرام أقرب، ومنها المحرم الصريح الذي فصّله الله في كتابه وسنة رسوله: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] .
والحرام نوعان: صغائر وكبائر، فالصغائر تكفرها الصلاة والصيام والصدقة: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] وفي الحديث الصحيح: «اَلصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» .
أما الكبائر فلا يغسلها ولا يمحوها إلا التوبة النصوح، والكبائر نفسها تتفاوت، فمنها ما عدّه النبي - صلى الله عليه وسلم - أكبر الكبائر، وعلى رأسها الإشراك بالله تعالى، وهو الذنب الذي لا يغفر أبدا إلا بالتوبة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 116] .
ويليه ذنوب أخرى ذكرتها الأحاديث، مثل عقوق الوالدين، وشهادة الزور، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم.
1 -اشتغال كثير من الناس بمحاربة المكروهات أو الشبهات أكثر مما اشتغلوا بحرب المحرمات المنتشرة، أو الواجبات المضيعة، ومثل ذلك الاشتغال بما اختلف في حلّه وحرمته عما هو مقطوع بتحريمه.
2 -انصراف الكثيرين إلى مقاومة الصغائر مع إغفال الكبائر والموبقات، كالعرافة، والسحر، والكهانة، واتخاذ القبور مساجد، والنذر والذبح للموتى، والاستعانة بالمقبورين، ونحو ذلك مما كد ضفاء عقيدة التوحيد (1) .
(1) رسالة صحوة الشباب الإسلامي للدكتور يوسف القرضاوي تحت عنوان: العلم بقيم الأعمال والأحكام، ص 29، رأينا نقلها بتصرف، لأهميتها.