"ومنها الواجب (1) - كما في بعض المذاهب - وهو ما أمر به الشارع، وإن لم يصل الأمر به إلى درجة القطع. ومنها الفرض، وهو ما ثبت وجوبه بطريق قطعي لا شبهة فيه، ورتب الشارع على فعله الثواب، وعلى تركه العقاب، ويلزم من تركه الفسق، ومن جحده الكفر".
"ومن المعلوم أن الفرض نوعان: فرض كفاية؛ إذا قام به البعض سقط الإثم على الباقين، وفرض عين على كل من يلزمه".
وفرض العين كذلك درجات، فهناك فرائض اعتبرها الإسلام أركانا أساسية، وهي خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، وهناك فرائض أخرى دون هذه في الأهمية والمنزلة، وإن كانت مطلوبة في دين الله طلبا جازما.
والإسلام - ولا شك - يقدم فرض العين على فرض الكفاية، ولهذا، يقدم بر الوالدين وطاعتهما على الجهاد، ما دام فرض كفاية (2) ، ولا يسمح للابن بالجهاد حينئذ بغير إذن الوالدين، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
"كما يقدم فرض العين المتعلق بحق المجموع على الفرض المتعلق بحق فرد أو أفراد، كالجهاد، وبر الوالدين، فالجهاد، إذا أصبح فرض عين على كل فرد، كما في حالة هجوم عدوّ كافر على أهل بلد، مقدم على حق الوالدين في البر والطاعة."
وهكذا يقدم الفرض على الواجب، والواجب على السنة، والسنة المؤكدة على المستحب، والإسلام يقدم القربات الاجتماعية على القربات الفردية، ويفضل ما يتعدى نفعه إلى الغير على ما يقتصر نفعه على فاعله. ولهذا، فضّل الجهاد على العبادة الفردية، ويفضّل الفقه والعلم على العبادة، والفقيه على العابد، وإصلاح ذات البين على التطوع بالعبادة والصيام والصدقة، ويفضّل عمل الإمام العادل في رعيته على تطوعه بنوافل العبادات باضعاف مضاعفة: «اَلْيَوْمُ مِنْ إِمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّيْنَ سَنَةً» .
كما أن الإسلام يؤثر أعمال القلوب على أعمال الجوارح، ويقدم العقيدة على العمل، ويعتبرها هي المحور الأساسي.
(1) الواجب عند الجمهور هو الفعل المطلوب على سبيل الإلزام والحتم، بحيث يأثم تاركه، وقد قسم الأحناف الواجب إلى ما يثبت بدليل قطعي (وهو الفرض) ، وما يثبت بدليل ظني (وهو الواجب) . راجع: أصول الفقه لأبي زهرة، وأصول الفقه للدكتور بدران أبو العينين.
(2) والجهاد يكون فرض عين على كل مسلم إذا نزل العدوّ بساحة المسلمين.