لو كان السيف مني قريب، لقتلته.
إن الداعي مطالب بأن يستر العاصي ولا يفضحه، ويعينه على ترك المعاصي بفتح باب التوبة له .. {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ... } [الزمر: 53] . إن طاعة الداعي أحيانا تُنْسِيْه نعمة توفيق الله له، وينسى قول ربنا: { .. كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ .. } [النساء: 94] ، فيزهو بنفسه، فيقع في ذل المعصية، فإذا به نفسه في حاجة إلى التذكير حتى يفيق من النشوة التي أَنْسَتْه نفسه: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} .
واستمع إلى أدب الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - فيما أخرجه ابن عبد البر في"الاستيعاب"بسنده عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاء جبيب بْن الحارث إِلَى رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رَسُول اللَّهِ، إني رجل مقراف للذنوب - أي: كثيرها -، قال: «فتب إِلَى اللَّه يا جبيب» ، قال: يا رَسُول اللَّهِ، إني أتوب ثم أعود، قال: «فكلما أذنبت فتب» ، قال: يا رَسُول اللَّهِ، إذن تكثر ذنوبي، قال: «عفو اللَّه أكثر من ذنوبك يا جبيب بْن الحارث» .
أجل، إن عفو الله أكبر، وتوفيقه أقرب من حبل الوريد إن أخلص العبد في توبته.
ولقد أذنب الإمام الزهري ذنبا، وماذا يكون ذنب الزهري؟ فمهما جلّ من ذنوب الناس، فاستعظم - رضي الله عنه - ذنبه، وذهب هائما على وجهه يقول: ذنبي أكبر من السماء، ذنبي أكبر من الهواء، ذنبي أكبر من الماء، فبلغ أمره أحد أبناء الحسن بن علي - رضي الله عنه - فقال: لقد ارتكب الزهري ذنبا أعظم، إذ ظن أن رحمة الله لا تتسع لغفران ذنبه، قالوا: فلما سمع الزهري ذلك، استقرتْ نفسُه وقال: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .
إن بعض الدعاة يجهد نفسه، ويضيع عمره في تتبع سوءات المسلمين في محاولة مستمرة لإحصاء أعمالهم عليهم، وربما سخر لذلك كل إمكانياته، وفي الوقت الذي يعفو الخالق - سبحانه - عن عباده ويسترهم، يأبى المخلوق الضعيف إلا التشهير والتدمير، وصدق الله إذ يقول: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6] ، فقدم المغفرة على العقاب، ليستثير همة العاصي، فيسرع إلى التوبة.
عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذ بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوْبِهِ وَيَقُوْلُ لَهُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوْبِهِ، وَرَأَى فِيْ نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: