فَإِنِّيْ قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابُ حَسَنَاتِهِ، أَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُوْنَ فَـ {يَقُولُ الْأَشْهَادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] » (1) .
ولذلك، ما أفقه عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - وهو يعترف بخطئه حين شعر بأنه يتتبع عورات الآخرين: أخرج عبد الرزاق بن حميد والخرائطي عن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن عوف، أنه حرس مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - ليلة المدينة، فبينما هم يمشون، شب لهم سراج بيت، فانطلقوا يَؤُمُّونه، فلما دنوا منه، إذا باب مجاف (من أجاف الباب، أي: ردّه عليه) على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر، وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف: أتدري بين من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب (بفتح الشين، وسكون الراء: الجماعة يشربون الخمر) ، فماذا ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله: {وَلَا تَجَسَّسُوا} ، فقد تجسسنا، فانصرف عنهم - رضي الله عنهما - وتركهم (2) .
وأزيدك فأقول عن الشعبي: إن رجلا أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: لي ابنة كنت وأدتًها (دفنتُها حيّة) ، في الجاهلية، فاستخرجناها قبل أن تموت، فأدركتْ معنا الإسلام، فأسلمت، فلما أسلمت، أصابها حد من حدود الله (3) ، تعالى، فأخذت الشفرة لتذبح نفسها، فأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها (ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح) ، فداويناها حتى برئتْ، ثم أقبلت بعد توبة حسنة، وهي تخطب إلى قوم، فأخبرتهم من شأنها بالذي كان، فقال عمر: تعمد إلى ستر الله فتبديه؟ والله، لئن أخبرت بشأنها أحدا من الناس، لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، بل انكحها نكاح العفيفة المسلمة (4) .
وها هو ذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن جاء عكرمة بن أبي جهل مع زوجته بعد أن استأمنت له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «يَأْتِيْكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِيْ جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِيْ الْحَيَّ وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ» .
فكم من الدعاة يسترون الذنوب؟ وكم من الدعاة يهدون العيوب؟ وكم من الدعاة يشفقون على العصاة؟ وكم من الدعاة لا ييأسون من إيمان الكافر، واستقامة الفاجر، وإخلاص المنافق؟ ألا فليعلموا أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فكم من إنسان بات مؤمنا وأصبح كافرا، وكم من كافر بات كافرا وأصبح مؤمنا، والعبرة بالخواتيم، «وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ... الحديثَ» .
أخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب
(1) تفسير سورة المجادلة لابن كثير.
(2) حياة الصحابة (2/ 404) .
(3) أصابها حد، أي: زنت.
(4) الكنز (2/ 150) .