فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 244

على إتمامها، كما قال: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35] ، والاستعجال من عدم الصبر، وقال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} ، والوهن من عدم الصبر، لأنه حب الدنيا وكراهية الموت.

ويوم أن بَقَر المشركون بَطْنَ حمزة يوم أُحُد، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: لئن أظفرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين منهم، فنزل قول ربّنا: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 126 - 128] .

فبيّن ربّ العزّة للمؤمنين أنهم إن عاقبوا من ظلمهم واعتدى عليهم فبالمثل ولا تزيدوا، ولئن عفوتم وتركتم القصاص، فهو خير لكم وأفضل، وهذا ندب إلى الصبر وترك عقوبة من أساء، فإن العقوبة مباحة، وتركها أفضل، ثم أمر الله نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على ما يناله من الأذى في سبيل الله، ولن تنال هذه المرتبة الرفيعة إلا بمعونة الله وتوفيقه لك. وهكذا يكون خلق الداعي لا يضيق صدره بما يقول الأعداء من السفه والجهل، ولا بما يدبرون من المكر والكيد؛ لأن الله مع المتقين بمعونته ونصره، ومع المحسنين بالحفظ والرعاية، ومن كان الله معه، فلن يضرّه كيد الكائدين (1) .

فهل يظن ظانّ أن مكارم الأخلاق هذه من الأمور السلبية: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] .

ولم يكتف الإسلام بأمر المسلمين بالصبر، فقد يتساوى معهم في صبرهم المشركون والكفار فيستمسكون بباطلهم، أَلَمْ تَرَهُمْ وهو يقولون عن النبي - صلى الله عليه وسلم: { ... أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا. إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ... } [الفرقان: 41 - 42] . {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ... } [ص: 6] .

فإن كان هذا شأن أهل الباطل مع آلهتهم المزعومة، فكيف بأهل التوحيد؟ فهم في حاجة - ولا شك - إلى درجة أعلى من الصبر، لينتصروا، لأن النصر والهزيمة صبر ساعة، ولذلك قال ربّنا لعباده المؤمنين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .

فالصبر مع نفسك، والمصابرة بينك وبين عدوّك، والمرابطة هي المداومة والثبات، وهي مرابطة الخيل في الجهاد، أي مداومة الصبر والمرابطة معه.

المسلم - إذن - مُطَالَبٌ بأن يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت