همته، ويحاول إظهار جانب الخير فيه ليفتح قلب المدعو للسماع، ويشجعه على إنماء هذا الخير، فيثني على الأمر الصغير من الخير، ولو كان مثقال ذرة، حتى يشجعه على المعروف فيعمله، ويشوقه إلى تقبل الحق، ويستثير مشاعره كإنسان له شخصيته الكريمة.
وأنت إن قرأت القرآن بتدبر، وجدت كثيرا من النداءات التي تستثير الهمم، وتستجيش العواطف، وتدفع العقل للتفكر، والقلب للتقبل، والجوارح للعمل .. فاسمع إلى نداء إبراهيم لأبيه، فلم يقل له: يا كافر، أو يا مشرك، كما يقول بعض الشباب اليوم، ولكنه يقول: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42] ، فذكره برباط الأبوة التي تشعره بحرص الابن على أبيه، فتدفعه إلى تقبل ما يسمع، لحرصه عليه.
واسمع لقمان - عليه السلام - وهو يعظ ابنه فيقول: {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .. فإن كان إبراهيم - عليه السلام - يستثير أباه برباط الأبوة، فإن لقمان يستثير همة ابنه برباط البنوة التي تحرص على الولد، وتنمي له الخير.
وها هو ذا كلٌّ من هود، وصالح، ينادي كلٌّ منهم قومه: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65] ، يذكرهم بأنهم قومه، وأنه أخوهم، ليكون كلامه أحب إلى أسماعهم، وأقرب إلى قلوبهم، والنداءات في القرآن من هذا النوع كثيرة، لاستثارة الهمم: {يَاأَيُّهَا الّذِين آمنوا} ، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} .
ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة حين نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ، يقول ابن عباس - رضي الله عنهما: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ، صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: «يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ» - لِبُطُونِ قُرَيْشٍ - حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ - يَا مُحَمَّدُ - أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... الآية} [المسد: 2] (1) .
إنه - صلى الله عليه وسلم - بهذا النداء يثير حميتهم بعبارات رقيقةن وكلمات جذابة، وحقائق صادقة،"إن الرائد لا يكذب أهله، والله، لو كذبت الناس جميعا، ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا، ما غررتكم"، أي أثر في النفس بعد هذه الكلمات، إنها دروس مستفادة، لينهج الداعي نهجا.
واستمع إلى هذه القصة، لترى أسلوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة، وكيف استثار همة الحليس، ففي صلح الحديبية، أرسلت قريش ضمن ما أرسلت من رسلها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(1) أخرجه الشيخان.