فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 244

معي نهنأ هذه الإبل، فإن فيها حق اليتيم والمسكين والأرملة وابن السبيل، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، مُرْ عَبْدًا يكفيكما هذا العمل، فنظر إليه عمر في شيء من الغضب، وقال: ثكلتك أمُّك، وهل تجد مَن أعبد مني ومن الأحنف هذا؟ مَن ولي أمر المسلمين فهو عبد المسلمين.

إن الدعاة إلى الله يقومون بمهمة الأنبياء، ولذلك كان لا بد أن يصدقوا الله في أقوالهم وأفعالهم لا يقصدون بذلك إلا وجه الله، فهم أحق الناس باقتباس شمائلهم والاقتداء بهداهم وأخذ الأسوة من محياهم ومماتهم.

وأنجح الناس في أداء هذه الرسالة من تُرى وراثات النبوة في خلقه وسلوكه، وعبادته وجهاده، وتضحيته وكبريائه على الدنيا، ومقاومته لفتنها، ومعاملته لذي السلطان غير راغب ولا راهب (1) .

وهكذا يكون الداعي إلى الله راجح العقل، أصيل الرأي، حسن المعاملة، وفيّ الوعد، مستقيم السيرة، حسن السمعة، تسبقه سمعته قبل دعوته منذ بكورة شبابه؛ لأن استقامة الداعي في شبابه أدعى إلى نجاحه في دعوته إلى الله، وإصلاح الأخلاق، ومحاربة المنكرات، إذ لا يجد في الناس مَن يغمزه في سلوكه الشخصي قبل قيامه بالدعوة، وكثيرا ما رأينا أناسا قاموا بدعوة الإصلاح، وخاصة إصلاح الأخلاق كان من أكبر عوامل إعراض الناس عنهم ما يذكرونه لهم من ماض ملوث، وخلق غير مستقيم، بل إن هذا الماضي السيء يكون مدعاة للشك في صدق مثل هؤلاء الدعاة، بحيث يُتهمون بالتستر وراء دعوة الصلاح لمآرب خاصة أن يتهمون بأنهم ما بدأوا بالدعوة إلى الإصلاح إلا بعد أن قضوا ملذات الحياة وشهواتها، وأصبحوا في عمر لا أمل لهم فيه بالاستمرار فيما كانوا فيه من عرض أو مال أو شهوة أو جاه.

أما الداعية المستقيم في شبابه، فإنه يظل أبدا رافع الرأس ناصع الجبين لا يجد أعداء الإصلاح سبيلا إلى غمزة بماض قريب أو بعيد، ولا يتخذون من هذا الماضي المنحرف تكأة للتشهير به ودعوة الناس إلى الاستخفاف بشأنه، ولذلك، فإن الداعية الذي ينتظر لدعوته النجاح لا بد أن تستقيم سيرته وتحسن سمعته قبل أن يدعو الناس إلى ما يجب أن يدعوهم إليه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن رموه في سيرته وحياته وسلوكه بلسان القرآن: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] ، ولذلك عاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين عاما يؤاكلهم

(1) كتاب مع الله: دراسات في الدعوة والدعاة، ص 219 للشيخ محمد الغزالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت