ويشاربهم ويبيعهم يبتاع منهم، ويشاركهم خيرهم، ويجيب شرورهم. فلم يشارك أقرانه من شباب مكة في لهوهم ولا عبثهم، وقد عصمه الله من ذلك، فقد استفاضت كتب السيرة أنه سمع وهو في الشباب غناءً من إحدى دور مكة في حفلة عرس فأراد أن يشهدها، فألقى الله عليه النوم، فما أيقظه إلا حرّ الشمس، ولم يشارك قومه في عبادة الأوثان، ولا أكل شيئا مما ذبح لها، ولم يشرب خمرا ولا لعب قمارا، ولا عرف عنه فحش في القول، أو هجو في الكلام.
أربعون سنة يعيشها بينهم قبل الرسالة ينادونه"الصادق الأمين"يشاركهم مشاكلهم، ويلجأون إليه لحلّها، وما قصة الحجر الأسود منا ببعيد، فلقد عرفوه قبل الرسالة بما وصفه به ربه بعدها: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] ، ومكث بينهم في مكة ثلاثة عشر عاما بعد الرسالة هو بأخلاقه قبل الرسالة هي نفسها بعدها.
إنها القيادة الرشيدة التي صنعها الله على عينه بين الناس فيما يزيد على نصف قرن من الزمان، بينما احتاج بناء الدولة عشر سنوات في المدينة ما زادت عليها ليعي المسلمون الدرس، ولنرى كم يمضي من الزمان حتى يجود بقيادة تقوده نحو الخير وتحقق إرادة الله على الأرض من خيرية هذه الأمة.
فهل وعى الدعاة هذا الدرس وعرفوا أن القدوة هي أساس الدعوة؟
فليت الدعاة قبل أن يدعوا الناس بالمقال يدعونهم بالحال كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ تستقيم الخطى، ويتحقق الهدف، ويدخل الناس في دين الله أفواجا، ويصل الداعي إلى غايته: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 4 - 6] .