بالله عليك، كم من إنسان يرمى بالجبن حين يذكر الجهاد؟ وكم من إنسان يرمى بالخوف حين يذكر الحكام؟ فما أسهل أن تصف الناس بهذه الصفات .. أما أن تتعامل مع النفوي لتأخذ بيدها حتى ولو كانت كذلك، فهذا أمرٌ شاقّ؛ لأنه ليس كل الناس يقولون التي هي أحسن، وليس كل الناس يستطيعون أن يصنعوا من العداوة محبة، ولا من البغضاء ولاية حميمة، لأن هذا وقف على كل ذي حظ عظيم!
واسمع إلى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيًّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنِّي جَبَانٌ، وَإِنِّي ضَعِيفٌ. قَالَ: «هَلُمَّ إِلَى جِهَادٍ لَا شَوْكَةَ فِيهِ، الْحَجُّ» (1) .
فإذا تأملت هذا الحديث، رأيت الفطرة السليمة تنطق، رجل من المسلمين يعترف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه جبان ضعيف، صدق مع النفس، وصدق مع القيادة، وطلب صادق لمعاجة النفس لدى من أرسله الله رحمة للعالمين، فكان الجواب لا سخرية فيه ولا تعالٍ، ولا تهكّمٍ ولا لوم، ولكن دعوة لتهذيب النفس وإرشادها إلى طريق تقوية ومعالجة هذين الداءين يذكره بالجهاد الذي هو ذروة سنام الأمر، ولكن لا شوكة فيه، إنه الحج، فهو جهاد كل ضعيف، كما روت أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «اَلْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيْفٍ» (2) .
فبالله عليك، لو اعترف إنسان بضعفه، بل بجبن اليوم أمام بعض الدعاة من الشباب، فهل تتصور القذائف التي ستنهال عليه؟ وهل تتصور السب والشتم واللعن الذي سيلحق به؟ وهل تستطيع أن تستحضر الأوصاف التي سيوصف بها؟ كم من شباب رموا شيوخا شاب شعرهم في سبيل الله، وقضوا السنوات الطوال خلف القضبان، لأنهم كانوا حكماء في مخاطبة الزعماء، مؤدبين في مخاطبة الحكام، ينتقون الألفاظ، ويختارون الكلمات، لأنهم تأسوا برسولهم القدوة - صلى الله عليه وسلم -، فهل آن للشباب أن يفقه دعوته؟
وتعال معي لتشاهد هذا الموقف وحاول أن تتصوره ..
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، وحوله بعضٌ من أصحابه يعلمهم أمرَ دينهم، فيدخل رجل وهم جلوس، فيبول في المسجد الذي يجلس فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. لو حدث هذا في أيامنا هذه، لرأيت العجب .. نعم، لرأيت في أبسط الأمور، وأحسن التقدير من يحمله ليلقى به خارج المسجد .. أو من يهشم رأسه، أو يسبّه، ويلعنه، أو يقتله، جهادًا في سبيل الله!
أَمَا آن لهم أن يتعلموا فقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يُعَنِّفُ مَنْ عَنَّفَ الرجل، ويقول له ما معناه: دَعْهُ
(1) رواه الطبراني، ورواته ثقات.
(2) رواه ابن ماجه.