خطيئة فليرمها بحجر"؛ لأنك إن رميتهم بما يكرهون، فكأنك تقول لهم: أنتم الفسقة في أعمالكم، الكفرة في اعتقادكم، أهل البدع في عاداتكم وتقاليدكم، وشتى سلوككم، فإذا فعل الداعي ذلك، فإنه يفرق ولا يجمع، ينفّر ولا يبشر، يعسّر ولا ييسّر، يبغض ولا يحبب، يطْرُد ولا يجذب، يعين الشيطان على المدعو ولا يعين المدعو على الشيطان."
واسمع إلى هذا الموقف الواعي من سيدنا عمر بن الخطاب - رضوان الله عنه - فقد دخل عليه والٍ من وُلاة المسلمين، فوجده يلعب مع أطفاله، فاستنكر الوالي على عمر - رضي الله عنه - ذلك، فقال له أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه: وماذا تفعل أنت مع أهلك؟ فقال: إذا دخلت سكت الناطق، فقال له عمر - رضي الله عنه: اعتزل عملنا، فإنك إن لا ترفق بأهلك وولدك، فسوف لا ترفق بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - (1) .
إن صفة الحليم هذه كانت علامة من علامات نبوة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كما يحكي لنا عبد الله بن سلام قصة زيد بن سعنة، فيقول: إن الله - عزّ وجلّ - لما أراد هَدْيَ زيد بن سعنة قال زيد: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد - صلى الله عليه وسلم - حين نظرت إليه إلا اثنتان لم اُخْبَرْهُما منه: يسبق حلمه جهله، فخرج يوما من الحجرات - يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - ... فجاء رجل يسير على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، إن قرية بني فلان أسلموا ودخلوا في الإسلام، وحدثتهم أنهم إن أسلموا أتتهم أرزاقهم رَغْدًا، وقد أصابتهم سَنَة وشدّة وقحط من العيش ... وإني مشفق أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا ... فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به فعلت ... فقال زيد بن سعنة فقلت: أنا أبتاع منك بكذا وكذا وسقا فباعني، وأطلقت همياني، وأعطيته ثمانين دينارا فدفعها إلى الرجل وقال: أعجل عليهم وأغثهم، فلما كان قبل المحلّ بيوم أو يومين أو ثلاثة، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنازة بالبقيع، ومعه أبو بكر وعمر في نفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة، وَدَنَا من الجدار، جبذت برديه جبذة شديدة حتى سقط عن عاتقه، ثم أقبلت بوجه جهم غليظ، فقلت: ألا تقضيني يا محمد؟ ... فوالله، ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا مُطل، وقد كان لي بمخالطتكم علم. قال زيد: فارتعدت فرائص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كالفلك المستدير، ثم رمى ببصره، ثم قال: أي عدوّ الله، أتقول هذا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وتصنع به ما أرى؟ وتقول ما أسمع؟! فوالذي بعثه بالحق، لولا ما أخاف فوته، لسبقني رأسك!! ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر
(1) من أبحاث الندوة العالمية للشباب الإسلامي - من قضايا الفكر المعاصر، ص 220، للدكتور أحمد العسال.