فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 244

المسلم على الشيطان يصبح عونا للشيطان على أخيه، فلا يستطيع أن يؤوب إلى الله، ولذلك، فإن ابن القيم في"مدارج السالكين"يقول:"وكل معصية عيّرتَ بها أخاك فهي إليك. ومعنى ذلك: أنه يحتمل أن يريد به أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها، وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث: من ذنب قد تاب منه."

وأيضا ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعيَّرِ، وفي الترمذي أيضا مرفوعا «لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيْكَ، فَيَرْحَمُهُ اللهُ وَيَبْتَلِيْكَ» .

ويحتمل أن يريد: أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته ... وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما، خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل، وإنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مدل، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر.

فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو، ولا يطالعها إلا أهل البصائر، فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر، ووراء ذلك ما لا يطلع عليه الكرام الكاتبون (1) .

إن مهمة الداعي الأساسية تطهير نفسه من الغيظ وشهوة الانتقام من مخالفيه في دعوته، فليكن قلبه وعاءً للحب، وإرادة التوفيق لهم، وبدون ذلك لا تكون دعوة ولا دعاة.

ما أطيب النفس حين تنصاع لتوجيه ربها، فتلين وتطمئن، وتفعل ما أمرك الله به، وهنا يخرج الداعي من حظ نفسه ويقول: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، الله الله على الداعي وهو يقرأ قول ربه: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 7] .

روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قدمتْ أمي - وهي مشركة - في عهد قريش حين عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - تعني: في صلح الحديبية - فأتيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمتْ وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: «نَعَمْ، صِلِيْ أُمَّكِ» (2) ، فأنزل الله هذه الآية الكريمة.

ولقد أنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر قسوته على أبيه، كما روى لنا ابن جرير، قال: حدثت أن أبا قحافة سبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فصكه أبو بكر - ابنه - صكة، فسقط فيها على وجهه، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك له، فقال: أفعلته، لا تعد إليه، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا

(1) مدارج السالكين لابن القيم (1/ 176 - 177) ، بتصرف.

(2) ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت